من المشاعر المقدسة إلى ميادين الوعي.. الحج رسالةُ أمةٍ وموقف
من "سكينة المناسك" إلى "صرخة الموقف": الحج ميثاقٌ للتحرر ومنصةٌ لإعلان البراءة
البيضاء نت | تقرير خاص
في الوقت الذي تحاول فيه قوى الهيمنة العالمية اختزال فريضة الحج في طقوسٍ عباديةٍ معزولة عن قضايا الأمة، قدّم السيد حسين بدر الدين الحوثي رؤيةً مختلفةً وعميقةً للحج، بوصفه مدرسةً إيمانيةً متكاملة، ومؤتمراً سنوياً للأمة الإسلامية، ومنصةً كبرى لإعلان الموقف والبراءة من أعداء الإسلام والمستضعفين؛ فالحج في مشروعه الفكري لا يقتصر على الانتقال الجغرافي إلى المشاعر المقدسة، بل يمثل انتقالاً روحياً وفكرياً من حالة الخضوع للهيمنة إلى حالة التحرر والوعي والمسؤولية، حيث يتحول الحاج من فردٍ يؤدي المناسك إلى حاملٍ لقضية الأمة ومدافعٍ عن عزتها وكرامتها.
ويرى السيد حسين بدر الدين أن اجتماع ملايين المسلمين في مكانٍ واحد وزمانٍ واحد، وهم يرددون شعارات التوحيد والتجرد لله، يجب أن يشكل نقطة انطلاقٍ لوحدة الأمة في مواجهة مشاريع الاستكبار العالمي، لا مجرد مناسبةٍ موسميةٍ تنتهي بانتهاء المناسك ، كما أكد في العديد من محاضراته أن الحج يمثل فرصةً استثنائية لإحياء مبدأ “البراءة من أعداء الله”، باعتباره جزءاً أصيلاً من الدين الإسلامي، مشيراً إلى أن القرآن الكريم قدّم البراءة كموقفٍ عملي يعبّر عن الانحياز للحق والوقوف في وجه الظلم والطغيان.
الحج.. مؤتمرٌ للأمة لا طقسٌ معزول
بحسب الرؤية القرآنية التي طرحها السيد حسين، فإن الحج ليس عبادةً فرديةً صامتة، بل مساحةٌ جامعة لتبادل الوعي وتوحيد الصفوف ومناقشة هموم المسلمين وقضاياهم المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ومواجهة مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية التي تستهدف الأمة سياسياً وثقافياً واقتصادياً.
ويشير إلى أن تغييب البعد السياسي والإنساني للحج أسهم في إفراغ هذه الشعيرة من دورها الحضاري، وتحويلها إلى ممارسةٍ شكليةٍ تخلو من الرسالة التحررية التي أرادها الله للمسلمين.
وفي هذا السياق، يربط السيد حسين بين التلبية التي يرددها الحجاج “لبيك اللهم لبيك” وبين ضرورة الاستجابة العملية لأوامر الله في نصرة المستضعفين ورفض الظلم وعدم الارتهان لقوى الهيمنة، مؤكداً أن الإيمان الحقيقي لا ينفصل عن الموقف العملي تجاه قضايا الأمة.
البراءة من المستكبرين.. جوهر الرسالة
تحتل قضية “البراءة من أعداء الله” مساحةً مركزيةً في خطاب السيد الحوثي حول الحج، حيث يعتبرها تجسيداً عملياً لمعنى الولاء لله ورسوله والمؤمنين، ورفضاً للخضوع للمستكبرين الذين يسعون لإذلال الأمة ونهب مقدراتها.
ويرى أن إعلان البراءة ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل موقفٌ إيمانيٌ قرآني، يعكس هوية الأمة واستقلالها، ويؤكد رفضها للوصاية الأجنبية ومشاريع التطبيع والتبعية.
كما يؤكد أن الأمة الإسلامية تمتلك من عناصر القوة والوحدة ما يجعلها قادرةً على استعادة دورها الحضاري، إذا ما عادت إلى القرآن الكريم وفهمت الإسلام كمنهج حياة ومشروع نهضة ومقاومة، لا كطقوسٍ معزولة عن واقع الناس.
بين الروحانية والتحرر
وفي الوقت الذي يمنح فيه الحج الإنسان حالةً من الصفاء الروحي والتجرد لله، فإن الرؤية التي قدمها السيد الحوثي تذهب إلى أن هذه الروحانية يجب أن تنعكس وعياً ومسؤوليةً وموقفاً، بحيث يصبح الحج محطةً لتجديد العهد مع الله، ومع قضايا الأمة العادلة.
ومن هنا، يتحول الحج ـ وفق هذا التصور ـ من مجرد رحلةٍ دينية إلى “ميثاق تحرر”، يعيد صياغة علاقة المسلم بأمته وقضاياها، ويمنحه شعوراً بالمسؤولية تجاه معاناة الشعوب المستضعفة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني.
خاتمة
تقدم رؤية السيد حسين بدر الدين الحوثي للحج قراءةً تتجاوز الأبعاد التقليدية للمناسك، لتضع هذه الشعيرة في قلب معركة الوعي والتحرر وبناء الأمة.
فالحج، كما يراه، ليس فقط سكينةً روحيةً يعيشها المسلم بين المشاعر المقدسة، بل “صرخة موقف” في وجه الظلم والاستكبار، وإعلاناً متجدداً لوحدة الأمة وهويتها ورفضها لكل أشكال الهيمنة والتبعية.
“إن الله جعل البيت الحرام قياماً للناس، فإذا سقط هذا القيام في وعي المسلمين، سقطت الأمة بأكملها أمام أعدائها.”