19 مايو.. ذاكرة الدماء والدمار التي لا تنطفئ في اليمن

صعدة، إب، وحجة.. مجازر منسية وثقتها أشلاء الأطفال والنساء ومقابر البنية التحتية

البيضاء نت | تقرير خاص 

لا يحتاج اليمني لتقليب صفحات التقويم ليتذكر أوجاعه؛ فكل يوم في رزنامة العقد الأخير يحمل بصمة من دم، وندبة من غارة. ويمثل يوم 19 مايو محطة سوداء بارزة في سجل الذاكرة الوطنية، تلخص وحشية الاستهداف الممنهج الذي تعرضت له الأرض والإنسان من قبل طيران وبوارج ومرتزقة التحالف (الأمريكي السعودي الإماراتي) على مدار سنوات الصراع.

من مجازر الإبادة الجماعية للأسر في “عبس” و”يريم”، إلى التدمير الشامل للبنية التحتية في “صعدة” و”الحديدة”، يبرز هذا اليوم كشاهد حي على فاتورة كلفة الحرب الإنسانية الباهظة.

إب وصعدة 2015: ضربات أولى ألغت “الحياة الآمنة”

في مثل هذا اليوم من عام 2015، كانت دماء المدنيين تسيل بغزارة في محافظة إب. غارة واحدة لطيران التحالف استهدفت قرية “الحزة” بمنطقة سمارة (مديرية يريم) كانت كفيلة بتحويل حياة الآمنين إلى مأساة؛ تسعة شهداء وثلاثة جرحى في حالة حرجة سقطوا دفعة واحدة، بالتزامن مع قصف استهدف طريق “إريان” التاريخي في مديرية القفر.

ولم تكن صعدة ببعيدة عن هذا الجحيم في اليوم ذاته؛ إذ تحولت المدينة ومحيطها إلى ساحة حرب مفتوحة استُهدفت بأكثر من 100 غارة جوية. أسفرت الغارات على مدينة “رحبان” عن استشهاد مواطن وإصابة أربعة آخرين بينهم طفل، وتدمير خمسة منازل بالكامل. القصف لم يستثنِ القصر الجمهوري، الشارع العام، الأسواق الشعبية، والمساكن، ممتداً ليشمل معظم مديريات المحافظة كـ (سحار، البقع، الملاحيظ، وباقم)، بالتوازي مع أحزمة نارية طالت العاصمة صنعاء بأكثر من 20 غارة (عطان، نقم، الحفا، براش) ومحافظات تعز، الحديدة، حجة، والضالع.

“لم يترك القصف مجازراً في الأرواح فحسب، بل تعمد سحق البنية التحتية وشل الحركة التاريخية والاقتصادية للمدن المستهدفة”

2016 – 2017: نساء وأطفال في مرمى “النيران الصديقة للغرب”

مع حلول 19 مايو 2016، تجددت المأساة في صعدة باستشهاد امرأة في منطقة “ولد مسعود” بمديرية سحار إثر غارة دمرت منازل وممتلكات المواطنين، فيما طالت النيران الأحياء السكنية بمديرية قعطبة بالضالع مخلفة إصابات في صفوف النساء، وتمدد القصف الصاروخي والمدفعي ليطحن مزارع المواطنين في الجوف وصنعاء.

أما 19 مايو 2017، فقد سُجل كأحد أكثر الأيام دموية بحق الطفولة في محافظة حجة. غارة جوية مباشرة لطيران التحالف استهدفت مزرعة مواطن في منطقة “الجر” بمديرية عبس، أبادت أسرة كاملة: سبعة أطفال استشهدوا دفعة واحدة، تلاها استشهاد ثلاثة مواطنين آخرين في منطقة “بني حسن” بالمديرية ذاتها. وفي ذات اليوم، دخلت الطائرات بدون طيار (الدرونز) خط التصعيد مستهدفة أطراف مديرية حريب القراميش بمأرب، بالتزامن مع قصف مدفعي سعودي مكثف على القرى الحدودية.

الحديدة 2019: خروقات “السويد” تحت وطأة المدافع

حتى بعد توقيع اتفاق السويد الخاص بالحديدة، كان يوم 19 مايو 2019 دليلاً على هشاشة الالتزامات الدولية. تحولت الأحياء السكنية والفنادق والمطارات في الحديدة إلى أهداف مستمرة؛ حيث أمطر المرتزقة مطار الحديدة بأكثر من 15 قذيفة مدفعية، واستهدفوا حارة الضبياني، سيتي ماكس، شارع الـ 90، وفندق الاتحاد بالرشاشات الثقيلة.

وفي الضالع، حصدت الصواريخ الموجهة أرواح المدنيين، مستهدفة سيارات المسافرين ومرتكبة مجزرة بحق النساء والأطفال في قرية “عويش” بقعطبة.

2020 – 2022: القنابل العنقودية وتثبيت المعاناة

استمرت الدائرة المفرغة في الأعوام 2020 و2021 و2022؛ متنقلة بين غارات جوية مكثفة طالت مديريات خب والشعف بالجوف وصرواح بمأرب، وبين مآسٍ صامتة تسببت بها مخلفات الحرب. ففي 19 مايو 2021، أُصيب طفل بجروح بليغة إثر انفجار قنبلة عنقودية من مخلفات الطيران في قرية رمادة بمديرية نهم، وهو السلاح الخفي الذي يواصل حصد أرواح اليمنيين حتى في فترات الهدوء النسبي. وفي عام 2022، امتدت الخروقات والاستهدافات المدفعية وحفر التحصينات العسكرية لتشمل البيضاء، تعز، حجة، وجبهات الحدود.

إن إحياء ذكرى 19 مايو يتجاوز مجرد سرد الأرقام؛ إنه تذكير سنوي موثق بالدم لأزمة إنسانية وصفتها التقارير الدولية بأنها الأسوأ في التاريخ الحديث، وجريمة لا تسقط بالتقادم في وعي الأجيال اليمنية المتعاقبة.