صناعة الأمل تحت النار.. كيف تحوّل “فقه السُّرور” ودستور “وَتَعَاوَنُوا” إلى سلاح غزة الاستراتيجي؟
البيضاء نت | تقرير خاص
في وقتٍ يمر فيه العالم بما يصفه فلاسفة ومحللون بـ “زمن التوحش” المادي، حيث تتآكل القيم الإنسانية وتسود لغة القوة الغاشمة، يقف قطاع غزة محاصراً بالنار والدمار، لكنه في الوقت ذاته يقدم للعالم معجزة أخلاقية وبنيوية غير مسبوقة. لم تعد المعركة في غزة مجرد مواجهة عسكرية بين ترسانتين، بل تحولت إلى مختبر قيمي وميداني صاغ فيه المجتمع الغزي معادلة استثنائية للثبات. إنها معادلة الجمع بين الثبات الأخلاقي والعمق الاستراتيجي؛ حيث تُرجمت النصوص الشرعية من بطون الكتب إلى أدوات صمود يومية، وأعيد الاعتبار لمفهوم التكافل ليصبح خط الدفاع الأول الذي يحمي الحاضنة الشعبية من التفكك والانهيار تحت وطأة الضغوط التي تعجز عن حملها الجبال.
دستور “وَتَعَاوَنُوا”: العقد الاجتماعي الإلهي في مواجهة الإبادة
في عمق هذه الملحمة الإنسانية، تبرز الآية الكريمة: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ} لا كشعار يُرتل فحسب، بل كدستور عملي يحكم حركة الشارع الغزي في أحلك الظروف.
فعندما تغيب البنية التحتية وتتلاشى شبكات الأمان التقليدية، تتقدم قيم “البر” لتسد الثغور:
-
تكافل عفوي: تقاسم رغيف الخبز الحاف وشربة الماء الملوثة بين العائلات والنازحين.
-
إيواء الملهوف: تحول الخيام المتهالكة والمنازل شبه المدمرة إلى دور ضيافة مفتوحة لمن فقدوا المأوى.
-
تلاحم مجتمعي: رفض مطلق للوقوع في فخاخ “الإثم والعدوان” من مظاهر احتكار أو استغلال أو فوضى، وذلك بفضل الوازع الداخلي المتمثل في الشق الآخر من الآية: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، والذي شكل صمام أمان أخلاقي قاوم كل محاولات الدفع بالمجتمع نحو الفوضى الأخلاقية.
“فقه السُّرور”.. انتزاع الابتسامة كفعل مقاومة
على مقلب آخر من معادلة الثبات، يبرز مصطلح “فقه السُّرور” كأحد تجليات العبقرية الغزية في إدارة الصراع النفسي. ففي بيئة يتعمد فيها الاحتلال تعميم البؤس، وتعميق الصدمة، وكسر الروح المعنوية، يصبح الفرح المفتعل والمستحق عبادة وجهاداً استراتيجياً.
يتجلى هذا الفقه في تفاصيل صغيرة لكنها ذات أثر هائل:
-
ألعاب بهلوانية يقيمها متطوعون للأطفال بين الركام.
-
حلقات إنشاد وتكبير تصدح من خيام النزوح.
-
صناعة حلويات بسيطة من مواد شحيحة للاحتفال بيوم العيد أو بنجاح طفل.
إن إدخال السرور على قلوب المنهكين في غزة ليس ترفاً عابراً، بل هو انتزاع ممنهج للأمل من فك التوحش، وحرمان للمعتدي من أهم أهدافه: “رؤية الضحية مكسورة الوجدان”.
“إن صناعة الأمل وإدخال السرور في زمن التوحش هي أعلى درجات الثبات الأخلاقي، لأنها تحرم المحتل من نشوة انتصار الروح.”
معادلة الثبات: كيف يخدم الأخلاقي الاستراتيجي؟
يرى مراقبون ومحللون استراتيجيون أن سر الصمود الأسطوري لقطاع غزة يكمن في هذا التلاحم العضوي بين المنظومة الفقهية والمنظومة الميدانية:
-
الحصانة المجتمعية: التمسك بالتقوى والتعاون يمنع الجريمة والانفلات الأمني، مما يحرم العدو من ورقة تفكيك المجتمع من الداخل.
-
الصلابة السياسية: عندما تكون الحاضنة الشعبية متماسكة نفسياً عبر “فقه السرور” وتكافلياً عبر “دستور التعاون”، فإنها تمنح أصحاب القرار الميداني والسياسي أرضية صلبة لرفض الإملاءات وشروط الاستسلام.