في العشر الأول من شهر ذي الحجّـة من كُـلّ عام، يطل علينا الهدى القرآني كشمسٍ لا تغيب، يمسك بزمام القلوب ليرشدها إلى “التي هي أقوم”، ويضعها أمام دستور حركة، ومنهاج حياة، وصرخة إيقاظ في ركام الغفلة التي يحاول الأعداء صبّها على جسد هذه الأُمَّــة.
المتأمل في واقعنا اليوم يدرك أن المعركة تجاوزت ساحات الوغى وصليل السيوف؛ فشررها المتطاير قد اقتحم العقول والبيوت عبر فضاءٍ إعلامي بات يُدار بأيدي فِرَق الشر من أهل الكتاب وأعوانهم، بعد أن جعلوا من الشاشات والمنصات خنادق موجَّهة، تبث سموم التشكيك، وتَلْبِسُ الحق بالباطل، في محاولةٍ خبيثة لضرب كبرياء النفوس، وإغراق الفِطرة البشرية في مستنقعات الرذيلة والانحلال، حتى ينسلخَ الإنسانُ عن آدميته ويهويَ إلى درك الأنعام.
لا يزال الإفساد العابر للحدود اليوم، بفعلِ أيادي الأعداء يمتدُّ ليزرعَ في قلوب شعوب الأُمَّــة كياناتٍ ومذاهبَ مشبوهة، وأبواقًا للمنافقين يقتاتون على إثارة العداوة والبغضاء، ويمزّقون النسيج الاجتماعي بنصل الوهَّـابية التكفيرية والاتّجاهات الهدامة، ليغدوَ الوطن الواحد شتاتًا، والبنيان المرصوص هباءً منثورًا.
ومن هُنا، يرتفع صوتُ الحق ليعلن أن الإعلام ميدان جهاد؛ فالمواجهة اليوم فرض عينٍ بالوعي والبصيرة، والجهاد بالقرآن الكريم هو السلاح الأقوى الذي يزهِق الباطل ويكشف زيف الطغيان، والصبر الذي يريده الله لنا ما كان استسلامًا خانعًا أَو قعودًا ينتظر حتفَه، وإنّما صبرٌ في مقام العمل، وثباتٌ يعانق عنان السماء، ترافقُه تقوى تترجَمُ إلى مواقفَ عملية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
كيف ينهزِمُ مَن كان الله مولاه؟ وكيف يرتعد من يحمل في صدره آياتِ النصر؟
إن حملاتِ التهويل والإرجاف التي يقودها شياطين الإنس اليوم، وتلك التصريحات المحشوَّة بالتخويف والوعيد الاستكباري، ليست إلا زبدًا رابيًّا يذهب جفاءً أمام شموخ النفوس المؤمنة، ويا لها من غربلةٍ إلهية ليميز الله الخبيث من الطيب، وليصطفيَ قومًا “يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم”.
أيها السائرون في درب الحق، إن الألمَ الذي قد تصنعه افتراءاتُ الأعداء وتشويهُهم، ينبغي أن يستحيلَ وقودًا للمواجهة، وحافزًا لكسر قرن الباطل بمنطق الأدلة والبراهين وقوة الحق وجاذبيته؛ فالعارُ والخزي ليس لمن ثبت وجاهد، وإنّما لمن تولَّى أعداء الله والإنسانية، وباع دينَه وعرضَه في أسواق النفاق.
أيها الشامخون كالأوتاد فوقَ الأرض، الغارفون من معين الهدي القرآني العظيم؛ فلنكُن الأُمَّــة الحيّة التي لا تنكسر أمام العواصف، ولنمتشق وعينا سلاحًا، ولنثقْ بأن عاقبةَ الصبر والثبات هي الفتحُ المبكر والعزة الأبدية، وأن باطلهم -مهما انتفخ- زاهق لا محالة.