من أنقرة إلى حافة المواجهة.. كيف كشفت قمة الناتو حدود الهيمنة الأمريكية ورسخت معادلات الردع؟
البيضاء نت | مقالات
بقلم / يحيى الربيعي
إن التحولات التي يشهدها الإقليم بعيدة عن كونها أحداثا يمكن قراءتها بمعزل عن بعضها، فهي في الأساس حلقات مترابطة ضمن صراع دولي يتجاوز حدود “الشرق الأوسط” ليطال شكل النظام الدولي نفسه، فكل قمة تعقد، وكل تصريح يصدر، وكل تحرك عسكري أو اقتصادي، بات يعكس حجم الاشتباك بين مشروع يسعى إلى المحافظة على الهيمنة الأمريكية الأحادية، وبين قوى إقليمية ودولية تعمل على فرض توازنات جديدة تقوم على كسر الاحتكار الأمريكي للقرار السياسي والعسكري، وفي هذا السياق، جاءت قمة أنقرة في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، حيث تتشابك الحرب في أوكرانيا مع التصعيد في غرب آسيا، وتتزايد التحديات الاقتصادية التي تضغط على العواصم الغربية، بينما تتنامى أدوار القوى الصاعدة في مواجهة المشروع الأمريكي. ومن منظور المقاومة، فإن المواقف التي خرجت بها القمة عكست توجهاً أمريكياً نحو إعادة إنتاج سياسة الضغوط القصوى بعد تعثر الرهان على المفاوضات فإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنهاء وقف إطلاق النار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإعادة تشديد الإجراءات العسكرية والبحرية، حمل رسالة واضحة مفادها أن واشنطن عادت لتقديم الخيار العسكري باعتباره الأداة الرئيسية لإدارة الصراع، في محاولة لتعويض تراجع قدرتها على فرض شروطها عبر المسار السياسي. إلا أن هذا التصعيد، وفق ما تكشفه مجريات الأحداث، لا يعكس موقع قوة بقدر ما يعبر عن أزمة متفاقمة في الإستراتيجية الأمريكية، فالإدارة الأمريكية تبدو اليوم أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ إذ تواجه خصوماً يمتلكون قدرات متنامية على الصمود والرد، في الوقت الذي تتعرض فيه منظومة التحالف الغربي نفسها لاختبارات غير مسبوقة، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي.
تصدع المحور الغربي ولعل أبرز ما كشفت عنه قمة أنقرة هو اتساع الهوة داخل المعسكر الغربي، فقد ظهرت الخلافات بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين بصورة أكثر وضوحاً، ليس فقط حول كيفية إدارة الأزمات، وإنما أيضاً حول حجم الأعباء التي ينبغي أن تتحملها أوروبا في خدمة الإستراتيجية الأمريكية فإصرار واشنطن على رفع الإنفاق الدفاعي، والضغوط الاقتصادية التي مارستها على بعض الدول الأوروبية، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالعلاقات التجارية، كلها تعكس طبيعة العلاقة غير المتوازنة التي باتت تحكم الحلف، حيث تتحول الشراكة تدريجياً إلى علاقة تقوم على الإملاءات أكثر من قيامها على المصالح المشتركة. وتكشف هذه التطورات أن أوروبا أصبحت تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على الانجرار وراء أي مواجهة واسعة في “الشرق الأوسط” خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على استقرار أسواق الطاقة والملاحة البحرية لذلك بدت المواقف الأوروبية حذرة، تحاول الموازنة بين استمرار الالتزام السياسي بالحلف وبين تجنب الانخراط المباشر في صراع قد يحمل انعكاسات كارثية على اقتصاداتها وأمنها الداخلي.
التراجع العسكري للحلف الأمريكي وفي المقابل، تكشف المعطيات العسكرية عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في اعترافات غربية متزايدة بأن القدرات العسكرية الغربية تواجه تحديات حقيقية نتيجة الاستنزاف المستمر فقد أدى استمرار الحرب في أوكرانيا، إلى جانب العدوان الأمريكي على إيران إلى ضغوط كبيرة على مخزونات الذخائر ومنظومات الدفاع، الأمر الذي انعكس في تحذيرات شخصيات عسكرية وسياسية غربية من محدودية القدرة على إدارة أكثر من جبهة في الوقت نفسه. ومن منظور المقاومة، فإن هذه الاعترافات تحمل دلالة إستراتيجية مهمة، لأنها تشير إلى أن ميزان القوة لم يعد قائماً فقط على حجم الترسانة العسكرية، وإنما على القدرة على تحمل حرب استنزاف طويلة، وهو ما يفسر تصاعد القلق الغربي من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة. وفي محاولة لتعويض هذا التراجع، اتجهت واشنطن إلى تكثيف صفقات التسليح وإعادة تنشيط الصناعات العسكرية، كما ظهر في مشاريع إنتاج منظومات الدفاع الصاروخي داخل أوروبا، إلا أن هذه الخطوات تبدو أقرب إلى معالجة نتائج الأزمة منها إلى معالجة أسبابها، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتزايد الإنفاق العسكري.
الانكسار الأمريكي أمام إيران وعلى المستوى الميداني، فإن طبيعة الأهداف التي تعرضت للعدوان الأمريكي داخل إيران يوم أمس تكشف الكثير عن مسار المواجهة فالتركيز على منشآت الطاقة والجسور والبنية التحتية المدنية يعكس، عجزاً عن تحقيق اختراق حقيقي في القدرات العسكرية الإيرانية، والاتجاه نحو استهداف مرافق تمس الحياة اليومية بهدف ممارسة ضغوط نفسية واقتصادية على الدولة والمجتمع. وقد عززت الوقائع اللاحقة هذه القراءة، بعد ظهور تناقض واضح بين التصريحات الأمريكية والعمليات العسكرية العدوانية على الأرض، حيث استمر العدوان الأمريكي رغم الإعلان عن انتهائها، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستوى التنسيق داخل المؤسسات الأمريكية، وحول قدرة الإدارة على التحكم بمسار التصعيد. ما يعزز حالة التذبذب في الخطاب الأمريكي، انتقال تصريحات الرئيس الأمريكي خلال فترة قصيرة بين التهديد بمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران والتأكيد على عدم الرغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة، ثم العودة للحديث عن احتمالات استمرار أو توقف المفاوضات. ويعكس هذا التناقض، صعوبة الموازنة بين الرغبة في إظهار الحزم العسكري والخشية من الدخول في مواجهة مفتوحة يصعب احتواء نتائجها. وفي المقابل، فإن الموقف الإيراني، يقوم على تثبيت معادلة الرد بالمثل، ورفض أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة.، فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين حملت رسالة واضحة مفادها أن زمن الضربات الأحادية قد انتهى، وأن أي اعتداء ستكون له كلفة مباشرة على الطرف المقابل. وتكتسب هذه الرسائل أهمية خاصة لأنها ترتبط بملفات شديدة الحساسية، وفي مقدمتها أمن الممرات البحرية، فمضيق هرمز يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، وأي اضطراب في حركته ينعكس فوراً على الاقتصاد الدولي.
التصعيد وتبعاته على الاقتصاد العالمي أولى نتائج التصعيد الأمريكي الأخير ظهرت سريعاً في الأسواق العالمية، حيث ارتفعت أسعار النفط، وتراجعت مؤشرات الأسهم، وعادت المخاوف من موجة تضخمية جديدة، ولم يكن ذلك ناتجاً عن نقص فعلي في الإمدادات بقدر ما كان انعكاساً لحالة القلق التي أصابت المستثمرين نتيجة احتمال اتساع رقعة الصراع، وتبرز هذه التطورات هشاشة الاقتصاد العالمي أمام أي اضطراب يصيب الممرات البحرية أو مصادر الطاقة، كما تكشف أن استخدام العقوبات والحروب الاقتصادية لم يعد سلاحاً أحادي الاتجاه، بل أصبح يحمل آثاراً عكسية على الاقتصادات الغربية نفسها. الاقتصاد الأمريكي يعد من أكثر المتأثرين بهذه التطورات، إذ يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فارتفاع أسعار الطاقة يدفع التضخم إلى الصعود، بينما يؤدي رفع أسعار الفائدة إلى زيادة الضغوط على الشركات الكبرى والاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وبذلك تصبح الإدارة الأمريكية أمام خيارات صعبة، لكل منها كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة.
وفي المحصلة، فإن ما جرى بعد قمة أنقرة يمثل مؤشراً على تحول أعمق في بنية النظام الدولي. فمن وجهة نظر المقاومة، لم تعد الولايات المتحدة تمتلك القدرة نفسها على فرض إرادتها كما كان الحال في العقود الماضية، وأصبحت تواجه بيئة إستراتيجية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية مع التحديات العسكرية، وتتراجع فيها فاعلية أدوات الضغط التقليدية أمام صمود الخصوم واتساع خيارات الرد فتطورات المرحلة تؤكد انتقال المنطقة إلى معادلات ردع جديدة، لم يعد فيها التفوق العسكري وحده كافياً لحسم الصراعات، بل أصبحت الإرادة السياسية، والقدرة على الصمود، والتحكم بالممرات الإستراتيجية، عناصر أساسية في إعادة تشكيل ميزان القوى. ومن هنا، فإن قمة أنقرة لم تكن مجرد اجتماع سياسي أو عسكري، بل محطة كشفت حجم التحولات التي يشهدها العالم، وأظهرت أن مرحلة الهيمنة الأحادية تواجه تحديات متزايدة، في وقت تتبلور فيه توازنات جديدة على القوى الغربية معادلات ردع جديدة تصب كلها في صالح محور المقاومة.