الزراعة في خطاب القائد

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / سند الصيادي 

في لحظة وعي استراتيجي استثنائية تسطّرها المسيرة القرآنية من خلال خطابات السيد القائد، يتحول فعل المقاطعة من مُجَـرّد موقف أخلاقي رافض للهيمنة إلى رافعة تنموية حقيقية، تعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطني من جذوره.

المقاطعة الشعبيّة للبضائع الأمريكية والصهيونية انطلقت من كونها أدَاة ضغط سياسي فاعلة، لتصبح اليوم شرارة إشعال لثورة إنتاجية كامنة، تنتظر فقط الإرادَة والوعي والتوجيه السليم لرؤوس الأموال.

يقف المرء حائرًا أمام مفارقة اقتصادية صارخة: اليمن، البلد الذي وهبه الله أرضًا خصبة ومياهًا جوفية ومدرجات جبلية وتنوعًا مناخيًّا فريدًا، يستورد صلصة الطماطم من عشرات البلدان، ويستجلب أبسط السلع الغذائية المصنّعة التي يمكن إنتاجها محليًّا بأقل التكاليف.

مشهد موجع لاقتصاد تحول، بفعل سياسات خاطئة امتدت لعقود، إلى مُجَـرّد سوق استهلاكية ضخمة، تتدفق إليها مليارات الدولارات سنويًّا لشراء ما يمكن أن تنتجه الأرض والسواعد اليمنية.

في الحالة اليمنية لم تكن المشكلة في غياب الموارد، بل في غياب الرؤية، فحين تتحول رؤوس الأموال الوطنية إلى أدوات استيراد فقط، يحدث تضخم خانق، وتتكدس البضائع في الأسواق، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وتتفشى البطالة، ويصبح الاقتصاد الوطني رهينة لتقلبات الخارج.

أما حين تتجه هذه الأموال إلى الداخل، إلى الإنتاج المحلي، فإن المعادلة تنعكس بالكامل: تتحَرّك الأيادي العاملة، وتنتعش القرى، وتدور عجلة التنمية من قلب الحقول والمصانع الصغيرة.

الخطاب والمنهج والفكر المسؤول وَالمتقدم للسيد القائد يحفظه الله الذي يحول المقاطعة إلى حافز للإنتاج المحلي يمثل نقلة نوعية في الفكر الاقتصادي الوطني.

فبدلًا من أن تكون المقاطعة مُجَـرّد امتناع سلبي عن الشراء، تصبح فعلًا إيجابيًّا يدفع باتّجاه خلق البدائل، وَدعوة مفتوحة لرجال المال والأعمال والمزارعين والمستثمرين لاغتنام “فجوة السوق” التي خلقتها المقاطعة، وتحويلها إلى مساحة للابتكار والإنتاج والتشغيل.

تخيَّلوا معي أن 10 % فقط من فاتورة الاستيراد السنوية تم توجيهُها لإنشاء مصانعَ تحويلية صغيرة للطماطم، أَو ورش لإنتاج البسكويت والشوكولاتة محليًّا، أَو مزارع نموذجية للألبان والدواجن، كم فرصة عمل ستتولد؟ كم قرية ستعود للحياة؟ وكم مليار دولار سيبقى داخل الدورة الاقتصادية الوطنية يغذي التنمية بدلًا من أن يهاجر إلى حسابات بنوك الأعداء وشركاتهم؟

في قلب هذه الرؤية، تقف الزراعة كخيار استراتيجي لا ترف ولا بديل عنه، فاليمن ليس مُجَـرّد بلد يمكنه أن يزرع، بل هو بلد زراعي بامتيَاز، والزراعة في جذوره التاريخية كانت دومًا العمود الفقري لحضارته واقتصاده.

وَاستعادة هذا الدور تعني أكثر من مُجَـرّد زراعة المحاصيل، تعني بناء سلاسل إنتاج متكاملة: زراعة، فحوصات مخبرية، تصنيع تحويلي، تغليف، تسويق، وتصدير، بما يمثل منظومة كاملة قادرة على استيعاب مئات الآلاف من العاطلين، وتوفير الغذاء الآمن للمواطن، وتقليل الاعتماد على الخارج، وُصُـولًا إلى حلم الفائض التصديري.

حين نقف على أعتاب الحلم، تبرز الخطوة الأولى: صندوق سيادي للاستثمار الزراعي، يوجّه المدخرات لدعم المشاريع والصناعات التحويلية، ويمنح المزارعين وصغار المستثمرين حوافز وقروضًا ميسّرة.

ثم تأتي الشراكة الحقيقية بين القطاعَين العام والخاص، حَيثُ تؤمّن الحكومة البنية التحتية والطاقة والمياه، مقابل التزام القطاع الخاص بضخ استثماراته في الإنتاج المحلي.

وعلى الضفة الأُخرى، ينهض المستهلكُ اليمني شريكًا واعيًا، يفضّل المنتج المحلي ولو كان أغلى قليلًا في بدايته، مدركًا أن كُـلّ ريال فيه هو استثمار في أمنه الغذائي وكرامته.

ويكتمل المشهد بـ”حماية جمركية ذكية” تدرأ الإغراق عن المنتج في مهده، ثم تتلاشى تدريجيًّا كلما اشتد عوده التنافسي، تاركةً إياه شامخًا في السوق كسنبلةٍ أثقلها الخير.

ختامًا: السيادة تبدأ من لقمة العيش، عندما يرفض شعبٌ بكامله أن يكون مُجَـرّد مستهلك لقوت غيره، ويقرّر أن يكون سيد نفسه، عندما يزرع اليمني أرضه، ويصنع غذاءه، ويفضّل منتج بلده، فهو يبني اقتصادًا قويًّا يصون كرامتَه ويحقّق سيادتَه، وَالسيادة لا تُنتزع فقط في ميادين القتال، إنما تُبنى كُـلّ صباح في الحقول، وفي المصانع، وفي الأسواق.

الطريق إلى النهضة الاقتصادية ليس مفروشًا بالورود، لكن بُوصلة الاتّجاه أصبحت واضحة أكثر من أي وقت مضى: من الاستيراد والاستهلاك إلى الإنتاج والتصنيع، والمقاطعة، التي بدأت كموقف سياسي، يمكنها أن تكون أعظم محفز اقتصادي لو أحسنّا استثمارها.