واقعة الغدير.. دلالات ساطعة في قراءة العصر

كيف أصّل السيد حسين بدر الدين الحوثي لمفهوم “الولاية” كمنهجية خلاص للأمم من الهيمنة؟

البيضاء نت | تقرير  خاص 

البلاغ الحاسم والامتداد التاريخي؛ في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، شهدت منطقة “غدير خم” إعلان البلاغ الإلهي الحاسم الذي لم يكن مجرد محطة تاريخية عابرة، بل كان إرساءً للمرتكز الأساسي الذي يُؤمّن مستقبل الأمة ويحمي مسارها من الانحراف.

وفي عصرنا الراهن، تكتسب واقعة الغدير أبعاداً تتجاوز السرد التقليدي، لتتحول في قراءة الأحداث المعاصرة إلى رؤية سياسية وفكرية استراتيجية. وتبرز في هذا السياق الأطروحات التأصيلية التي قدمها السيد حسين بدر الدين الحوثي، والتي نقلت مفهوم “الولاية” من إطاره المذهبي الضيق إلى فضاء المنهجية القرآنية الشاملة، مستنهضاً بها الشعوب كأداة للتحرر ومواجهة قوى الهيمنة والاستكبار العالمي.

 

أولاً: واقعة الغدير.. حقائق الثبوت والدلالة

تُجمع المصادر التاريخية والتفسيرية على ثبوت واقعة الغدير؛ فبعد انتهاء حجة الوداع، وامتثالاً للأمر الإلهي الحاسم في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ»، جمع الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جموع المسلمين ليعلن في يوم خم: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.

إن الدلالة الساطعة لهذا الحدث تؤكد أن الرسالة الإلهية لا يمكن أن تترك الأمة بعد غياب نبيها تعيش حالة من الفراغ أو الفوضى القيادية، بل وضعت المقياس والمعيار لامتداد القيادة الإيمانية المعبرة عن روح الإسلام وعدالته، والمتمثلة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

 

ثانياً: كيف أصّل السيد حسين بدر الدين الحوثي لمفهوم الولاية؟

لم يتعامل السيد حسين بدر الدين الحوثي مع يوم الغدير كذكرى تُستدعى سنوياً للبهجة أو للجدل الفقهي، بل أعاد تأصيل المفهوم من خلال القراءة القرآنية المباشرة والربط الواقعي بأزمات الأمة الحديثة، مستنداً إلى ركائز جوهرية صاغها في محاضراته:

  1. سدّ الفراغ القيادي بالمبدأ الإلهي: يؤصل السيد حسين لمسألة القيادة باعتبارها أمراً حُسم تدبيره إلهياً لحماية الأمة، حيث يقول: “إن الله سبحانه وتعالى الذي يدبر شؤون هذا العالم، ويدبر شؤون عباده، لم يترك الأمة بعد نبيها في فراغ، بل وضع لها المبدأ الأساسي الذي يحميها، وهو مبدأ الولاية”.

  2. تقديم المعيار والمواصفات القرآنية: يرى أن اختيار الإمام علي في ذلك اليوم يمثل تقديم النموذج الأسمى لقيادة الشعوب، مؤكداً أن “يوم الغدير هو يوم تقديم المعيار الإلهي للقيادة.. عندما قال الرسول (ص): ‘من كنت مولاه فهذا علي مولاه’، كان يقدم للأمة النموذج الأسمى في العدالة، والعلم، والشجاعة، والارتباط بالله، ليكون هو المقياس الذي تسير عليه الأمة”.

  3. تشخيص أسباب الارتهان والتبعية المعاصرة: يقدم السيد حسين قراءة نقدية عميقة لواقع الأمة المعاصر، يربط فيها مباشرة بين التخلي عن منهجية الغدير وحالة الاستضعاف أمام الهيمنة الخارجية، موضحاً: “لو أن الأمة تمسكت بمبدأ الولاية الذي أعلن في يوم الغدير، وفهمت أبعاده كما أراد الله ورسوله، لما وصلت اليوم إلى ما وصلت إليه من الذلة والمهانة، ولما تمكنت أمريكا وإسرائيل من الهيمنة عليها والتحكم في مصيرها”.

  4. الولاية كحصانة وثقافة مواجهة: يتجاوز بالفهوم الأطر العاطفية الضيقة ليرسخها كعقيدة تحررية، حيث يشير إلى أن “الولاية ليست مجرد حب عاطفي لعلي (عليه السلام)، الولاية هي منظومة عمل، هي ثقافة ومنهجية تحصّن الأمة من داخلها، وتجعلها تأبى الخنوع للظالمين والمستكبرين “.

 

ثالثاً: “الولاية” كمنهجية خلاص للأمم من الهيمنة

في عصر يشتد فيه صراع الهويات وتسعى فيه القوى الاستعمارية إلى فرض وصايتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، يبرز وقع مفهوم الغدير وتأصيله المعاصر على الأمم كطريق حتمي للتحرر:

  • سلاح الوعي في مواجهة الطاغوت: تحول مبدأ الولاية إلى وقود فكري وثقافي لحركات التحرر والمقاومة؛ فالشعوب التي تتولى الله ورسوله وأعلام الهدى ترفض تلقائياً التبعية للمشاريع الغربية، وتجد في شجاعة الإمام علي ومبادئه دافعاً لكسر حاجز الخوف والارتهان.

  • إعادة بناء الأمة من الداخل: يطرح مفهوم الغدير اليوم كمشروع عملي لإعادة بناء الذات الإسلامية، والتحرر من “الولاية الزائفة” التي تفرضها القوى الاستكبارية عبر أدواتها الإقليمية، مما يسهم في استعادة السيادة الوطنية والقرار المستقل.

  • تنامي الحاضنة الشعبية: يظهر وقع هذا الفكر جلياً في تنامي الوعي الشعبي والزخم المليوني غير المسبوق الذي تشهده الساحات خلال إحياء يوم الولاية، هذا الحضور لم يعد مجرد طقس ديني، بل رسالة سياسية واضحة تعلن رفض الهيمنة والتمسك بمنهجية العزة والكرامة.

 

الخاتمة: الغدير.. رؤية تصنع المستقبل

إن واقعة الغدير، وفق القراءة العصرية والتأصيل الذي قدّمه السيد حسين بدر الدين الحوثي، ليست انغلاقاً في الماضي، بل هي بوابة العبور نحو المستقبل. إنها المنهجية التي تقدم للبشرية بأسرها الخلاص من أشكال الهيمنة والظلم كافة، واضعةً النظام البديل القائم على الحق والعدالة الإلهية، لتثبت الأيام أن “بلاغ غدير خم” سيبقى حياً، متجدداً، وقادراً على قيادة الأمم نحو حريتها واستقلالها.