شواطئ غزة الملوثة.. عندما يتحول الملاذ الأخير إلى مصيدة للأمراض

البيضاء نت | تقرير خاص 

على شاطئ بحر منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، لم تكن أم عبدو الحاج تتوقع أن تحوّل ساعاتٌ قليلة، قضتها مع أطفالها هربًا من حرارة الصيف اللاهبة، حلمَ أطفالها باللعب إلى بداية معاناة صحية جديدة.

فعقب رحلة السباحة تلك، عاد نجلها إلى الخيمة وهو يعاني من نزلة معوية حادة إثر ابتلاعه مياه البحر الملوثة، بينما انتشرت على أقدام ابنتها الصغرى طفحات جُلدية وانتفاخات تحولت لاحقًا إلى جروح مؤلمة نتيجة الحكة المستمرة.

تلك اللحظة كانت الكاشفة بالنسبة لـ أم عبدو؛ إذ أدركت أن البحر الذي طالما شكل المتنفس الوحيد والأخير لأهالي القطاع المحاصر، لم يعد يحمل لأطفالها سوى الخطر والجسد العليل.

“البحر كان متنفس أولادنا الوحيد.. اليوم أصبح مصدرًا للمرض”

أم عبدو الحاج، نازحة في قطاع غزة

كارثة بيئية تصنعها المياه العادمة

حكاية أم عبدو ليست مجرد حادثة فردية، بل هي عينة بسيطة من واقع مرير يعيشه مئات آلاف السكان والنازحين على امتداد الشريط الساحلي لقطاع غزة. وتتفاقم مع مرور الأيام أزمة بيئية وصحية خطيرة ناتجة عن التدمير المباشر والمستهدف لشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

هذا التدمير تسبب في تدفق أطنان من المياه العادمة الشديدة التلوث بشكل مباشر إلى الشواطئ، في وقت تقف فيه البلديات عاجزة عن احتواء الأزمة بسبب النقص الحاد في المعدات والإمكانات الأساسية.

       [ تدمير محطات الضخ والمعالجة ]

                     │

                     ▼

  [ ضخ أكثر من 60,000 م³ من المجاري يوميًا ]

                     │

                     ▼

  [ تلوث مياه البحر + تسرب للمياه الجوفية ]

                     │

                     ▼

[ انتشار الأوبئة والأمراض الجلدية والمعوية ]

 

شلل شبه كامل لمرافق الصرف الصحي

في جنوب القطاع، تتجلى هذه المأساة بوضوح في مدينة خانيونس؛ حيث تؤكد البلدية أن معظم مرافق الصرف الصحي خرجت تمامًا عن الخدمة بعد تدمير محطات الضخ والمعالجة وخطوط النقل الرئيسية، ما أدى إلى تصريف عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة “الخام” إلى البحر يوميًا.

وفي تصريحات خاصة لـ وكالة (سند للأنباء)، كشف المتحدث باسم بلدية خانيونس، صائب لقان، عن أرقام صادمة حول حجم الكارثة البيئية:

أبعاد الكارثة البيئية

التفاصيل والأرقام

نسبة المرافق المعطلة

خروج نحو 85% من مرافق الصرف الصحي عن الخدمة

حجم المياه العادمة الملوِثة

ضخ ما يقارب 60 ألف متر مكعب يوميًا من المجاري غير المعالجة إلى البحر

المخاطر الجوفية

تسرب كميات ضخمة للطبقات الجوفية خاصة في منطقة المواصي المكتظة بالنازحين

القدرة على التشغيل

فقدان تام للقدرة على الإصلاح أو الصيانة نتيجة القيود وشح المواد وقطع الغيار

وحذّر لقان من أن استمرار ضخ هذه الكميات الهائلة من السموم والمياه العادمة بدون معالجة ينذر بكارثة صحية متصاعدة تتجاوز قدرة القطاع الصحي المنهك أساسًا.

 

الملاذ الأخير رغم الخطر المحدق

رغم دراية السكان والمواطنين الكاملة بهذه المخاطر البيئية، فإن الأوضاع المعيشية القاسية وانعدام الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، إلى جانب الاكتظاظ الشديد في مخيمات النزوح، تدفع آلاف العائلات مجبورةً نحو الساحل؛ سواء للحصول على الاستحمام، أو غسيل الملابس، أو اقتناص لحظات من الهرب من حرارة الخيام المرتفعة.

تؤكد أم عبدو الحاج أن مشاهدة تدفق مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات على طول الشاطئ أصبحت منظرًا يوميًا معتادًا، مشيرة إلى أن حالات الإصابة بالنزلات المعوية والتهابات الجلد باتت تحصد أجساد الأطفال المنهكة بعد كل محاولة للسباحة.

 

غياب أدوات الإنقاذ.. الموت المتربص على الشاطئ

ولا تقتصر المأساة عند حدود التلوث والبكتيريا، بل تتعداها إلى مخاطر الغرق والحوادث البحرية؛ إذ تعاني فرق الإنقاذ والجهات المحلية من عجز كبير في التعامل مع حالات الطوارئ على الشواطئ بسبب غياب المعدات والأدوات الفنية اللازمة، ما يجعل السباحة في بحر غزة خيارًا محفوفًا بالموت من كل الاتجاهات.

 

خاتمة

لم يعد بحر غزة، كما كان عبر التاريخ، يروي حكايات رزق الصيادين أو يحمل بين أمواجه ضحكات الأطفال وفرحتهم؛ بل تحول تحت ثقل الحصار والعدوان إلى شاهدٍ حي على مأساة بيئية وإنسانية تتفاقم كل يوم. بين مياهٍ سوداء ملوثة، وإمكانات بلدية منهارة، وأطفال يطاردون حقهم البسيط في الحياة والأمان، يغرق المتنفس الأخير لأهالي القطاع في طوفان من الأوبئة والمخاطر.