مِن يثرب إلى غزة: “الأنصارية” اليمانية تتجدد لكسر الهيمنة وثلاثي الاستكبار

البيضاء نت | تقرير خاص 

لم تكن الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم مجرد حدث تاريخي عابر أو هروب من بطش قريش، بل كانت عملية إعادة تموضع استراتيجي كبرى، دشن بها الهدى النبوي مرحلة بناء الدولة ومواجهة قوى الاستكبار العالمي. وفي عمق هذا التحول المفصلي، برزت “الهوية اليمانية” كعامل حسم رئيسي، تحولت من خلاله القبائل القادمة من جنوب الجزيرة العربية إلى الرافعة التاريخية والبشرية التي حملت راية الإسلام، ودكت عروش الطواغيت عبر العصور.

تأتي هذه الذكرى العطرة لتعيد تسليط الضوء على التلازم الأبدي بين الرعاية والتأييد الإلهي للقيادة النبوية، وبين الاستجابة والمدد اليماني الذي غيّر مجرى التاريخ الإنساني، وصولاً إلى واقعنا المعاصر الذي يتجلى فيه المدد اليماني كطليعة للامة في مواجهة طواغيت العصر.

الرعاية الإلهية والثقة المطلقة: سلاح اليقين في وجه المؤامرات

في اللحظات التي تكالبت فيها قوى الاستكبار في مكة لإنهاء الرسالة، تجلت الرعاية الإلهية لتثبت أن الموازين المادية تسقط أمام الثقة المطلقة بالله تعالى:

  • ثبات القيادة في أحلك الظروف: في عتمة غار ثور، والمطاردون من قريش يقفون على بعد خطوات، لم يتسلل الشك إلى قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وحين قال له الصديق مشفقاً: “لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا”، جاء الرد النبوي الحاسم بفيض من السكينة واليقين: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ لا تحزن إن الله معنا.

  • محق مكر الطواغيت: من فدائية الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- ومبيته في الفراش، إلى عمى أبصار المستكبرين، كانت الإرادة الإلهية تصنع النصر من قلب الخطر، لتبدأ رحلة بناء دولة الحق على أرض صلبة.

كيف شكلت الهوية اليمانية الرافعة التاريخية لدولة الهدى؟

إن السؤال الجوهري الذي يفرضه واقع الهجرة هو: كيف تحول اليمنيون إلى الركيزة الأساسية في محق الاستكبار؟ الإجابة تكمن في الجينات الثقافية والإيمانية للهوية اليمانية:

  1. الأوس والخزرج.. السند اليماني في يثرب

حين ضاقت مكة وصناديدها بالحق، كانت القبائل القحطانية اليمانية (الأوس والخزرج) التي استوطنت يثرب، هي من فتحت قلوبها وديارها وسلاحها لرسول الله. هؤلاء هم من نالوا اللقب الإلهي الخالد (الأنصار). لقد تحولت هويتهم اليمانية، القائمة على النجدة والحرية ورفض الخضوع للمستكبرين، إلى بيئة حاضنة للرسالة، وبفضلهم تحولت المدينة من مجرد واحة إلى منطلق لجيوش الحق التي دكت معاقل الطغيان وقوضت أركان الشرك.

  1. التلبية المبكرة ومدرسة التضحية

لم تكن نصرة اليمنيين وليدة لحظة الهجرة فحسب؛ بل بدأت من فجر الدعوة في مكة. ويمثل آل ياسر (عمار وأبواه) الطليعة اليمانية الأولى التي واجهت آلة التعذيب والاستكبار الأموي والقرشي بصلابة لا تلين، مسطرين بدمائهم أولى مواجهات الحق ضد الباطل، ومثبتين أن الهوية اليمانية لا تقبل المساومة على حساب الكرامة والدين.

امتداد تاريخي لا ينقطع: مواجهة فراعنة كل عصر

إن تحول الهوية اليمانية إلى رافعة لدولة الحق ليس حدثاً محصوراً في الماضي، بل هو خط استراتيجي متصل يمتد من فجر الإسلام إلى أعماق التاريخ:

  • عماد جيش الحق: بعد وفاة الرسول الكريم، كان اليمنيون هم العمود الفقري للفتوحات الإسلامية، والكتلة الجهادية الصلبة في جيش الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- لمواجهة الناكثين والقاسطين والمارقين. وبرزت من بينهم قامات قيادية هزت عروش المستكبرين كمالك الأشتر النخعي، وحجر بن عدي الكندي.

  • مقبرة الغزاة: عبر القرون، ظلت هذه الهوية عصية على التدجين؛ فكان اليمن مقبرة للأناضول، ومحطماً لأطماع الغزاة والجبابرة، مصداقاً لقول الرسول الصادق: الإيمان يمان والحكمة يمانية.

تجدد “الأنصارية” في الواقع الراهن: اليمن يكسر ثلاثي الاستكبار

لا يقف الدور اليماني اليوم عند حدود التاريخ الغابر والذاكرة المروية، بل يتجلى في أبهى صوره كـ “امتداد رسالي” حي، حيث يعيد الشعب اليمني صياغة مشهد الصراع الكوني، متصدراً معركة الدفاع عن الأمة ومقدساتها في زمن الخنوع والتراجع، ومواخياً بين نصرة يثرب بالأمس ونصرة غزة اليوم:

  • معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”: انطلاقاً من الموقف الإيماني المبدئي، يجسد اليمن اليوم دور “الأنصار” الأوائل في نصرة المستضعفين، من خلال موقفه التاريخي والشجاع في مساندة الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة في غزة. فلم تكن الصواريخ والطائرات المسيرة اليمانية مجرد سلاح عسكري، بل كانت ترجمة عمليّة للهوية الإيمانية التي تأبى الضيم وترفض الخضوع للمستكبرين.

  • كسر الغطرسة والهيمنة الدولية: في الوقت الذي تهاب فيه قوى كبرى الإرادة الأمريكية، وقف اليمن بقراره السيادي الحر ليمزق غطاء الهيمنة لـ “ثلاثي الاستكبار” (أمريكا، بريطانيا، والكيان الصهيوني) في البحرين الأحمر والعربي والمحيط الهندي. لقد تحولت الممرات المائية الإستراتيجية إلى ساحة أثبت فيها اليمانيون أن “محق الاستكبار” واقع يُفرض بحد السلاح وقوة الإيمان.

  • الصمود الأسطوري والالتفاف حول القيادة: على مدى سنوات من العدوان والحصار، أثبت الإنسان اليمني أنه يستمد من “صبر آل ياسر” وثبات “غار ثور” طاقة لا تنفد. وكما كان الأوس والخزرج صخرة التحول حول رسول الله، يلتف اليمانيون اليوم حول قيادتهم القرآنية الشجاعة، مستلهمين من دروس الهجرة النبوية أن النصر لا يُقاس بالعدد والعدة، بل بمدى الارتباط بالله والثقة بنصره وتأييده.

دروس الهجرة لواقعنا المعاصر: امتداد السلف في الخلف

تطل هذه الذكرى واليمنيون اليوم يتصدرون مشهد مواجهة طواغيت العصر والاستكبار العالمي، انطلاقاً من ذات الهوية الإيمانية وذات الالتزام التاريخي بنصرة المستضعفين وأعلام الهدى.

إن الدرس الأكبر الذي ترسخه الهجرة النبوية في وجدان الشعب اليمني اليوم هو: أن حجم المؤامرات وحشود المستكبرين تتلاشى أمام القيادة المرتبطة بالله، وأمام شعب يحمل “الهوية اليمانية” الأنصارية، المستعدة دائماً لمحق الباطل وإعلاء راية الحق مهما بلغت التضحيات، ليبقى اليمن -كما كان دوماً- الرافعة البشرية والتاريخية الكبرى التي تقود قاطرة التحرر العالمي من الهيمنة والطغيان.