منطق القوة وسقوط الأقنعة: كيف تواجه الشعوب طغيان المعايير المزدوجة بعدالة القضية؟
البيضاء نت | تقرير خاص
حتمية البقاء ومشروعية الدفاع في زمن التواطؤ، في عالم تعبث به المصالح الضيقة وتتجاذبه التناقضات الحادة، تقف الشعوب المستضعفة التي تخوض معركة وجودها وحريتها في مشهد تاريخي فريد ومفصلي، إن هذه الشعوب، وهي تذود عن أراضيها ووجودها، لا تستمد شرعيتها من هيئات دولية تواطأت بالصمت أو غضت الطرف عن أبشع الانتهاكات، بل تستقي قوتها من عدالة قضيتها المطلقة، ومن إيمانها الراسخ بأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن العاقبة الدائمة هي ما أخبر به الباري عز وجل في محكم تنزيله:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39].
وبهذا اليقين، ترقب الشعوب مآلات الظالمين مستمسكة بالوعد الإلهي الحق: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
انفصام المنظومة الدولية: بين النصوص النظرية والنفاق السياسي
تكشف المعاينة المنصفة والواقعية لحالة السلم والأمن الدوليين – ولا سيما في منطقتنا الإسلامية – عن انفصام حاد وعميق بين المبادئ والمواثيق المعلنة نظرياً في أروقة المنظمات الأممية، وبين التطبيق الانتقائي المصلحي الذي أفرغ القواعد القانونية والدولية من جوهرها الإنساني والأخلاقي.
لقد تراجعت مبادئ العدالة والحق، لتُحل محلها معايير مزدوجة يصوغها قاموس “النفاق السياسي”، وهي بيئة حاضنة لشواهد التجني والاستكبار التي حذر منها الحق سبحانه في قوله مصوراً حال المفسدين المراوغين:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12].
هذا الواقع المفروض يضع المعتدى عليهم وجهاً لوجه أمام حق الدفاع المشروع عن النفس والوجود، والذي كفلته الشرائع السماوية كافة استناداً إلى قاعدة العدل الإلهي:
﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194].
عبر التاريخ: تداعي الأحزاب واختبار الثبات في وجه التحالفات الكبرى
على امتداد التاريخ الإنساني، طالما ظهرت تحالفات وقوى متجمعة ظنت واهمة أن كثرة العدد، وضخامة الإمكانات، والترسانات العسكرية الغاشمة، كفيلة بحسم المواجهات وإخماد جذوة المقاومة والصمود الشعبي، غير أن القراءة الواعية والهادئة لمجريات الواقع تؤكد مراراً وتكراراً أن النتائج الكبرى في صراع الأمم لا تُصنع بالأرقام المادية المجردة وحدها، بل تتأثر بمنظومة متكاملة من العوامل الإستراتيجية والنفسية؛ وفي مقدمتها الإرادة الصلبة، الثبات الراسخ في الميدان، وحدة القرار، والقدرة الفائقة على إدارة الأزمات وتطويع التحديات.
هذه السنن التاريخية تتجلى بوضوح فيما سجله القرآن الكريم من مشهد تعبوي فريد حين اجتمعت قوى الشر والعدوان على الأمة في غزوة الأحزاب:
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
سقوط الأقنعة: حين تصطدم الغطرسة بصخرة الوعي والإرادة
إن اجتماع التحالفات الطاغية، مهما بلغ حجم عدتها وعتادها الإعلامي والسياسي، يبقى في ميزان التاريخ اختباراً حقيقياً للإرادات وكشفاً فاضحاً لزيف المواقف وسقوط الأقنعة. فالقوة الحقيقية للأمم لا تُقاس بما يبرق في البيانات الدبلوماسية أو التصريحات الزائفة، بل بما يثبت وينتصر أمام اختبار الزمن وقسوة الميدان.
إن منطق الاستكبار العالمي والقوة المادية البحتة يتهاوى حتماً حين يصطدم بإرادة الشعوب الحرة المؤمنة بعدالة قضيتها. فالأمم لا تنهض ولا تُبنى بالقوة المادية وحدها، بل تُشيّد بالإيمان العميق، والوعي الجمعي اليقظ، والعمل الدؤوب، وحسن التخطيط الإستراتيجي، والثبات المبدئي أمام أقسى الأزمات.
خاتمة:
اليقين بالنصر والتوكل على العزيز الحكيم؛ يبقى الميزان الأبقى والحقيقة المطلقة التي لا تبدل الأيام ملامحها هي أن النصر ليس وليد الصدفة، ولا يتحقق بغلبة العدد، بل هو هبة إلهية وثمرة للأخذ بالأسباب والتوكل الصادق. وصدق الله العظيم القائل:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 160].
ليظل النداء القرآني يقرع أبصار العقول وبصائرها:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126