اقتصاديات الظلام: حين تتحول الثروات الوطنية إلى أداة لتركيع الشعب
البيضاء نت | تقرير خاص
بينما تتكدس الثروات الوطنية في موانئ ومنافذ المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرة التحالف السعودي الإماراتي، يغرق المواطنون في بحرٍ من الأزمات المصطنعة التي تجعل من “البقاء على قيد الحياة” معركة يومية مضنية. لم يعد الأمر مجرد تدهور في الخدمات، بل تحول إلى ما يشبه “العقاب الجماعي” الممنهج، حيث تُنهب الموارد، ويُترك الملايين يواجهون واقعاً قاسياً يتداخل فيه انعدام الأمن بالفقر المدقع، وسط سياسات إفقار تنهش ما تبقى من مقومات الصمود الاجتماعي.
أولاً: البُعد الاقتصادي.. هندسة الندرة ونهب الموارد
تعتمد “اقتصاديات الظلام” في هذه المحافظات على آلية مركبة لاستنزاف الموارد، حيث يتم حصر عوائد الموارد السيادية في قنوات تمويل غير شفافة، بعيداً عن ميزانية الدولة العامة. كما تعمد السلطات المسيطرة إلى خلق أزمات وقود مفتعلة لرفع أسعارها في السوق السوداء، وهو ما أدى إلى تضخم جامح يلتهم ما تبقى من دخل المواطن المحدود، ويحول انهيار العملة إلى أداة لإعادة توزيع الثروة من الطبقات الفقيرة نحو النخب المرتبطة بمراكز القوى.
ثانياً: جحيم الصيف.. “المناخ السياسي” الذي يقتل بالحرارة
لا يمثل الصيف في عدن وحضرموت مجرد ظاهرة مناخية، بل “سلاحاً فتاكاً” يهدد الأمن الصحي. فمع انقطاع التيار الكهربائي في درجات حرارة قياسية، تتحول المستشفيات إلى ساحات عجز، وتفسد الأدوية الحساسة، ويضطر المواطنون لاستنزاف مدخراتهم في حلول طاقة بديلة باهظة التكلفة، مما يجعل المعاناة وسيلة لنهب جيوب المواطنين بدلاً من توفير الخدمة.
ثالثاً: أصوات من قلب المعاناة.. شهادات حية
تجسد هذه الشهادات -التي تم رصدها من الميدان- عمق المأساة الإنسانية التي يعيشها السكان:
“أصبحت الكهرباء في عدن حلمًا يراودنا، ننتظرها لساعات قليلة لنشحن هواتفنا أو نبرد ماء الشرب، بينما يموت كبار السن لدينا بصمت بسبب حرارة الغرف الخانقة. نحن لا نعيش حياة، نحن ننتظر الموت ببطء.” — (سالم ع.، مواطن من عدن)
“في المكلا، المحروقات متوفرة في السوق السوداء بأسعار خيالية، بينما محطات الكهرباء الحكومية متوقفة بحجة عدم توفر الوقود! إنه نهب علني وممنهج، يتاجرون بدمائنا وعرقنا تحت لافتة إدارة الأزمات.” — (فاطمة م.، ربة أسرة)
“طفلي يعاني من أمراض تنفسية، وبدون جهاز التبخير الذي يحتاج كهرباء مستمرة، يصبح كل يوم صيف بالنسبة لنا كابوساً مخيفاً. أين الثروات؟ أين النفط؟ نحن نرى الشاحنات تخرج من حقولنا، بينما أبناؤنا يختنقون في الظلام.” — (أبو أحمد، أب لثلاثة أطفال من وادي حضرموت)
رابعاً: البُعد الحقوقي.. المسؤولية الجنائية عن الانهيار
تجاوز الوضع الإنساني حدود “سوء الإدارة” ليدخل في صلب المسؤولية القانونية بموجب المواثيق الدولية،. إن حرمان السكان من الخدمات الأساسية (التي هي حقوق أصيلة) في ظل توفر الموارد، يندرج تحت مفهوم “جريمة العقاب الجماعي” المحظورة دولياً، ويضع أطراف النفوذ أمام مسؤولية جنائية دولية عن تدهور الوضع الصحي والبيئي للملايين.