كربلاءُ في مواجهةِ الهيمنة: ثورةُ الحسينِ بوصلةُ التحررِ من “المشروعِ الصهيوأمريكي”

البيضاء نت | تقرير خاص

 لم تعدْ نهضةُ الإمام الحسين (عليه السلام) مجردَ فصلٍ في التاريخ الإسلامي يُستحضرُ في طقوسٍ سنوية، بل تحولت في الوعي الجمعي للشعوب الحرّة إلى “عقيدةِ مواجهةٍ” عابرةٍ للحدود. وفي لحظةٍ مفصليةٍ يمرُّ بها العالم، يبرزُ الفكرُ الحسيني كمرجعيةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ صلبةٍ تُؤطرُ معارك التحرر الراهنة ضد ما يُعرف بـ “المشروع الصهيوأمريكي”، مُحولةً الصراع من مواجهةٍ عسكريةٍ بحتة إلى صراعِ وجودٍ وإرادة.

أولاً: فلسفةُ المقاومة.. الحسينُ كإستراتيجيةِ بقاء

تستمدُ حركاتُ المقاومةِ اليومَ جوهرَ وجودها من “المدرسة الحسينية”؛ فهي لا تقدمُ الحسين كشخصيةٍ تاريخيةٍ فحسب، بل كمنهجٍ عمليٍّ في إدارة الصراع، تتجلى هذه الفلسفة في:

  • ثقافةُ “المستحيل”: إن القوةَ التي واجهَ بها الحسينُ طغيانَ عصره، هي ذاتها التي تُستخدمُ اليومَ لمواجهةِ الفارقِ الهائل في موازين القوى مع القوى الدولية. فالإيمان بأن “الدم ينتصرُ على السيف” أصبحَ إستراتيجيةَ ردعٍ نفسيةٍ تجعلُ الشعوبَ أكثرَ صموداً أمام الترسانات العسكرية.

  • السيادةُ كأمانة: يغرسُ الفكرُ الحسيني في أتباعه مفهومَ “العزة” التي ترفضُ الرضوخَ للمشاريع الخارجية. في نظرِ هذه الشعوب، يُعدُّ الانخراط في المشروع الصهيوأمريكي “استلاباً للقرار” و”خيانةً للذات”، وهو ما يربطُه الخطابُ المقاومُ مباشرةً بالخيارِ الذي اتخذه الإمام الحسين في كربلاء.

ثانياً: استنهاضُ الوعي السياسي كأداةِ صدٍّ للمشاريعِ الكبرى

تُدركُ الحركاتُ الشعبيةُ في منطقتنا أنَّ “المشروع الصهيوأمريكي” لا يعتمدُ فقط على القوةِ الغاشمة، بل على “غزوِ الوعي” وتفكيكِ الروابطِ الاجتماعيةِ والقيمية، وهنا، تأتي الذكرى الحسينية لتلعبَ دوراً مزدوجاً:

  1. حصنٌ ثقافي: تُشكلُ المنابرُ والقيمُ الحسينيةُ خط الدفاع الأول ضد محاولات “الأمركة” الثقافية، حيث تُعيدُ تأصيلَ مفاهيم التضحية، الصبر، والعدالة الاجتماعية.

  2. التعبئةُ ضد الظلم: أصبحَ الربطُ بين مأساة كربلاء وبين ما يعانيه الشعبُ الفلسطيني وشعوبُ المنطقة تحت وطأةِ الاحتلالِ والتدخلاتِ الخارجية، محركاً قوياً للشارع، مما يُحول الغضبَ العاطفي إلى طاقةٍ سياسيةٍ مُنظمةٍ لا تقبلُ المساومة.

ثالثاً: المواجهةُ الوجودية.. صراعُ الإرادات

إنَّ ما يوصفُ بـ “المشروع الصهيوأمريكي” يُرادُ له أن يكون “نظاماً عالمياً جديداً” يُهندسُ المنطقةَ وفقَ مصالحه. في المقابل، يمثلُ “الخطُ الحسيني” نقيضاً بنيوياً لهذا المشروع. إنه صراعٌ بين:

  • منطقِ الهيمنةِ والمصلحة: الذي يرى في الإنسانِ مجردَ رقمٍ في معادلةِ السوقِ والسيطرة.

  • منطقِ التحررِ والكرامة: الذي يرى في الإنسانِ مشروعاً إلهياً يستحقُ الحريةَ والعدالة، ويُقدمُ التضحيةَ سبيلاً وحيداً لانتزاعِ الحقوق.

 

خاتمة:

إن استحضارَ ثورةِ الإمام الحسين في قلبِ معركةِ التحررِ اليوم، هو إعلانٌ بأنَّ الحقَّ لا يُوهبُ بل يُنتزعُ، وأنَّ القوةَ الحقيقيةَ ليست في عددِ الصواريخِ أو ضخامةِ الميزانيات، بل في صلابةِ الإرادةِ التي لا تلينُ أمامَ سطوةِ الطغيان، وهكذا، تظلُ كربلاءُ في كلِّ عصرٍ هي “الخندقُ الأولُ” الذي تُحسمُ فيهِ معاركُ الكرامةِ الإنسانيةِ ضد كلِّ أشكالِ الاستعبادِ المعاصر.