زلزال الصدام المباشر يلتهم هوامش المناورة: طهران تقصف القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين، ونيران الميدان تفجر “اتفاق واشنطن” العقيم

الأحد 28 حزيران 2026
اليوم الثاني عشر بعد المئة للحرب – اليوم الحادي عشر لمذكرة التفاهم

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة

المشهد الاستراتيجي العام: شلل الممرات وانفجار الخطوط الحمراء ، دخلت المنطقة رسمياً مرحلة فرض تطبيق التفاهمات بالقوة الصلبة، حيث تحول الخليج وبحر عمان وجنوب لبنان إلى مسرح موحد لكسر الإرادات الدولي الإقليمي. المشهد لم يعد يحتمل الرمادية؛ فقد انهار منطق التهدئة الافتراضية تحت وطأة الصواريخ الباليستية الإيرانية والضربات الأمريكية الجوية، مما يضع الإقليم أمام معادلة شلل استراتيجي متبادل ومحسوب، تفرض فيه طهران واقع الندّية المطلقة، بينما تحاول تل أبيب والبنتاغون الالتفاف على الترتيبات السيادية الجديدة بإنتاج اتفاقيات ورقية لا تمتلك بيئة صالحة للتنفيذ على أرض الواقع.

أولاً: جبهة الخليج واشتعال القواعد الأمريكية بضربات الحرس الثوري

تحولت العقيدة الردعية الإيرانية فجر الأحد إلى طابع هجومي مباشر، منفذة معادلة الرد بضعف القوة لفرض الصدمة الاستراتيجية على البنتاغون وحلفائه:
عملية الحرس الثوري المشتركة: بين الساعة الثانية والثالثة فجراً، أطلقت القوات البحرية والجوية للحرس الثوري صواريخ باليستية وأسراباً من الطائرات المسيرة الانقضاضية، مستهدفة بشكل دقيق 8 مواقع حيوية تابعة للجيش الأمريكي في قاعدة علي السالم بدولة الكويت ومقر الأسطول الخامس في ميناء سلمان بمملكة البحرين.

الاستنفار والدفاعات الجوية: دوت صفارات الإنذار في كافة أرجاء الكويت والبحرين، حيث أعلن الجيش الكويتي تصدي دفاعاته الجوية لهجمات صاروخية معادية، في حين طلبت الداخلية البحرينية من السكان التوجه فوراً إلى أقرب مكان آمن، وتحدث شهود عيان عن سماع دوي انفجارات ضخمة في مدينة عسكر جنوب المنامة.

المبرر والترتيبات السيادية: أعلن الحرس الثوري أن هذا القصف الجريء جاء رداً حاسماً على قيام الطائرات الأمريكية بقصف 5 مواقع ساحلية إيرانية لمنشآت المراقبة والرصد في الساحل الجنوبي (منطقة سيريك)، وهي الضربات التي نفذها البنتاغون بذريعة مواجهة البحرية الإيرانية لسفينة شحن تجارية ومهاجمة ناقلة النفط كيكو بمسيّرة.

الرسالة السياسية لبحرية الحرس والجيش: أكدت طهران أن الترتيبات اللازمة للسيطرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز بيدها بموجب مذكرة التفاهم، وأن انتهاك وقف إطلاق النار يخالف المادة الأولى من مذكرة إسلام آباد وسيؤدي إلى توقف كامل للمسار الدبلوماسي. وأوضح الجيش الإيراني أن السيطرة الدقيقة على المضيق تمثل آلية أمنية ممسوكة ومدروسة ستقود تدريجياً إلى إخراج أمريكا من المنطقة، وتجبر الدول التي تواطأت في فرض العقوبات على أخذ اعتبارات طهران بالحسبان.

ثانياً: التهديد الأمريكي وحشد الطاقة الاستراتيجي

في المقابل، يحاول البيت الأبيض استعراض أوراق القوة للحد من التراجع اللوجستي والعسكري في المنطقة:

عنترية ترامب ووعيد الإبادة: أعلن الرئيس دونالد ترامب عبر منصاته أن الطائرات الأمريكية قفزت فوق التهديدات ودمرت محطات رادار ساحلية ومواقع تخزين صواريخ إيرانية، موجهاً تحذيراً عالي السقف: قد نصل إلى نقطة لا نعود فيها قادرين على التعامل بعقلانية، وسنُجبر على إكمال المهمة عسكرياً، وإذا حدث ذلك فلن يكون للجمهورية الإسلامية وجود بعد الآن.

الجهوزية والتحوط الجوي: أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ضرب 10 أهداف متعددة داخل إيران، زاعمة أن حركة عبور السفن التجارية في هرمز مستمرة، وتزامن ذلك مع رصد استخباري لتواجد 13 طائرة تزويد بالوقود أمريكية على الأقل في أجواء الخليج لتأمين الغطاء الجوي للقطع البحرية.

المسار الدبلوماسي الموازي: لتثبيت المرجعية الإقليمية للممر المائي، أعلنت الحكومة الإيرانية عن بدء محادثات وشيكة مع سلطنة عمان لتحديد إطار إدارة الخدمات البحرية المستقبلي في مضيق هرمز ووفق المدى الزمني الحرج للمذكرة (60 يوماً).

ثالثاً: الساحة اللبنانية وانفجار المكونات الوطنية ضد “اتفاق واشنطن”

على المقلب الآخر، يعيش الداخل اللبناني غلياناً سياسياً وعسكرياً بعد توقيع الوفد السياسي في البنتاغون على مسودة “اتفاق الإطار” الثلاثي، وسط تحذيرات جدية من دفع البلاد نحو صاعق فتنة أهلية:

التواصل الرئاسي والالتفاف: تلقى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون اتصالاً هاتفياً من ترامب لتهنئته على التوقيع، وأعرب عون عن أمله في أن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب من الجنوب ومنع الخروقات. والتقط رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد الخيط باتصال مع عون مؤكداً دعمه السياسي والاقتصادي المطلق لمواقف بعبدا والحكومة (سلام).
معادلة الرفض القاطع للمقاومة وحلفائها:
الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم حسم الموقف المبدئي كلياً: الاتفاق مذلة وعار وتنازل مجاني عن السيادة، وهو اتفاق منعدم الوجود ولن يمر على الأرض إطلاقاً.

حركة أمل أكدت في موقف رسمي متناغم: الاتفاق غير مقبول إطلاقاً لأنه غير متوازن ويكرس وقائع ميدانية وأمنية لمصلحة العدو على حساب المصلحة الوطنية وتضحيات الجنوبيين.

تخوف الجيش اللبناني واستنفار القضاء: أعلنت قيادة الجيش اللبناني أنها تحترم حرية التعبير، لكنها حذرة جداً ولن تسمح بأي إخلال بالأمن أو مساس بالسلم الأهلي جراء تحركات غير محسوبة النتائج في الشارع. وتزامن ذلك مع استنابة قضائية أصدرها النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج للأجهزة الأمنية للتحرك الفوري وتحديد هويات المخالفين لمنع قطع الطرق وأعمال الشغب، تحسباً لانفجار الشارع الوطني الغاضب من صك واشنطن.

عنجهية نتنياهو وأكاذيب اليمين: تفاخر رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بالاتفاق زاعماً أن حكومة لبنان بتوقيعها هذا تقول لإيران وحزب الله دعوا لبنان وشأنه، مؤكداً نيل موافقة واشنطن وبيروت على بقاء القوات الإسرائيلية في الشريط الأمني لحين نزع السلاح بالكامل. وأعلن نتنياهو أن الجيش سيبدأ بالانسحاب فقط من مناطق تجريبية محددة في زوطر الغربية وفرون كنوع من المحاكاة، وهو ما استدعى استنكاراً عاجلاً من بلدية فرون التي أكدت أنها خارج الخط الأصفر وليست محتلة ويرفض أهلها الارتهان لإملاءات العدو.

انكشاف العجز والتبشير الصهيوني بالفتنة: اعتبر الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت أن هذا الاتفاق بمثابة زواج بلا عروس ومكتوب على الجليد، وتسويقه لليمين هو ضرب من الجنون. بينما أقر وزير الطاقة إيلي كوهين عبر هيئة البث بالمعضلة: لا يمكن للجيش اللبناني تنفيذ بنود الاتفاق بمفرده، ونحتاج لتدخل دولي واتخاذ إجراءات إضافية لنزع السلاح.

رابعاً: تقييم المخاطر الاستراتيجية والمآلات القادمة

بناءً على مقاطعة المعطيات ومواقف الدول، تتشكل مآلات الصراع على المديين القصير والبعيد وفق القراءة الجيوسياسية المحترفة:

1. الرؤية قصيرة المدى (الـ 60 يوماً القادمة – مرحلة فرض التطبيق بالقوة):
المرحلة الحالية هي مرحلة فرض بنود مذكرة التفاهم الذاتية باليد الصلبة وإجهاد الأطراف. في لبنان، الاتفاق الإطاري وُلد ميتاً لغياب الإجماع الداخلي واستبعاد المكون الشيعي والوطني الأساسي منه، والمقاومة لن تسمح بتمرير ملحقاته الأمنية السرية على الأرض؛ حيث ستعمد إلى تفعيل الكي العملياتي الموضعي ضد أي تحرك لجيش الاحتلال في فرون وزوطر والمنطقة الأمنية لإثبات عجز الكيان وإسقاط شروطه، وقد تُرجم ذلك فوراً عبر حدث أمني صعب في جبل عامل يخضع للرقابة العسكرية العبرية المشددة عقب غارات تدميرية على محيط الطيبة وديرسريان.
وفي الخليج، سيتواصل التصعيد المنضبط؛ طهران تستخدم تكتيك إعادة استهداف نفس الإحداثيات السابقة لـتصفير النتائج الدبلوماسية وتأكيد أن المذكرة لا تمنح حصانة لواشنطن ما لم تلتزم بالبند الأول، مما سيرفع تكاليف التأمين البحري ويشل نظم الإدارة العملياتية للملاحة الدولية.

2. الرؤية بعيدة المدى (من 6 أشهر إلى سنتين – النظام الإقليمي متعدد الأقطاب):
نقلت صحيفة الغارديان عن مسؤولين غربيين اعترافاً جوهرياً: انتهاء هذا الصراع سيوجه صفعة استراتيجية لواشنطن؛ حيث ستزيد إيران من دعمها لحلفائها (حزب الله، حماس، الحوثيين)، وهو ما يثبت صحة تفكير طهران الاستراتيجي. وفي المقابل، ستتصاعد أنشطة المقاتلين غير النظاميين والعملاء الذين تمولهم وتسلحهم إسرائيل وأمريكا لمشاغبة المحور داخلياً.
التمسك الإسرائيلي بالمنطقة العازلة سيتآكل بفعل الاستنزاف البشري والاقتصادي الشمالي المتمادي، ليجبر الكيان قسراً على التراجع الشامل، مما سيفجر أزمة سياسية داخلية تطيح بنتنياهو الذي انتهت شهادته في محاكم الفساد بعد 98 جلسة.
لبنانياً، سيسقط منطق 17 أيار الجديد، وتُجبر السلطة على الذهاب نحو تسوية سياسية داخلية جامعة (الدوحة 2) تعيد صياغة الاستراتيجية الدفاعية بما يحفظ عناصر القوة. والأهم إقليمياً، هو الطلاق الخليجي الهادئ مع عقيدة كارتر الحماية الأمريكية؛ حيث ستندفع عواصم المنطقة لترسيخ التحوط الاستراتيجي عبر إطار أمني مشترك مع إيران لحماية خطوط الطاقة، معلناً ولادة شرق أوسط متعدد الأقطاب تديره عقول المنطقة الذاتية بعيداً عن الغطرسة الأمريكية والوصاية الغربية.