الانكفاء الأمريكي الأكبر: قاذفات واشنطن تغادر مسرح العمليات.. وإسرائيل تُترك وحيدة لمواجهة الانهيار والعزلة الدولية  

الخميس 2 تموز 2026 – اليوم الرابع والعشرون بعد المئة للحرب – اليوم الرابع عشر لمذكرة التفاهم

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في اليوم الرابع عشر لمذكرة التفاهم، تتبلور على أرض الواقع واحدة من أعقد التحولات الجيوسياسية وأصعبها تنفيذا، ألا وهي انطلاق أوسع عملية انسحاب وإعادة تموضع عسكري أمريكي وغربي من الشرق الأوسط منذ بداية الحرب. لقد أصبحت الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران بحكم المنتهية، لتنحصر المعركة في طاولة التفاوض المالي حول الأموال المجمدة، وفي الميدان اللبناني حيث يتخبط الكيان الإسرائيلي. هذا الانسحاب الأمريكي يطرح تساؤلا وجوديا حول مصير إسرائيل التي تترك وحيدة في مواجهة طوق ناري متماسك، في وقت يتساقط فيه ما تبقى من هيبتها وشرعيتها الدولية، وهو ما تجلى بوضوح في تصويت البرلمان السويدي بأغلبية 70 بالمئة على اعتبار الكيان الإسرائيلي “دولة غير ديمقراطية”، ليعلن بدء حقبة العزلة العالمية الشاملة لتل أبيب.

أولا: تفكيك المظلة الأمريكية.. أرقام وإحداثيات الهروب الكبير

لم يسبق للمنطقة أن شهدت إخلاء عسكريا بهذا الحجم والدقة، مما يؤكد أن البنتاغون اتخذ قرارا لا رجعة فيه بسحب أصوله الاستراتيجية لحمايتها من بنك الأهداف الإيراني، تاركا إسرائيل بلا غطاء فاعل:
​نهاية حقبة القاذفات الثقيلة: سجلت أجهزة التتبع مغادرة آخر قاذفة استراتيجية أمريكية ثقيلة من طراز B-52H Stratofortress، برقمها المالي 60-0044 وتحت رمز النداء DORM66، من قاعدة فيرفورد الجوية الملكية في بريطانيا عائدة إلى أمريكا. جميع قاذفات بي-52 غادرت، وتوقفت مهام الضربات بعيدة المدى ولن تستأنف، بانتظار رحيل قاذفات بي-1 المتبقية قريبا، لتختتم واشنطن استعراضها الاستراتيجي نهائيا.
​انسحاب أسراب الهجوم والحرب الإلكترونية: غادرت طائرتا الحرب الإلكترونية والتشويش المتقدمتان L3Harris EA-37B Compass Call قاعدة ميلدنهال البريطانية عائدتين إلى قاعدة ديفيس مونثان في أمريكا. بالتزامن، بدأت مقاتلات إف-15 إي سترايك إيجل التابعة للسرب 492 بالعودة إلى قاعدة لاكنهيث البريطانية بعد خمسة أشهر من انتشارها في الأردن. إحدى عشرة مقاتلة تحت الرمز TREND 11/21 حطت في سيجونيلا الإيطالية في طريق عودتها، تاركة الشرق الأوسط خلفها.
​إخلاء القواعد الخليجية وتفريغ الأسراب: سحبت واشنطن 12 مقاتلة إف-16 سي تابعة لقاعدة أفيانو الإيطالية، من قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، ووصلت بالفعل إلى سبانغداليم في ألمانيا. وتشهد الأجواء جسرا جويا عكسيا عبر طائرات التزويد بالوقود، حيث تعود طائرتان من طراز كي سي-46 وست طائرات كي سي-135 إلى الأراضي الأمريكية.
​الانسحاب البحري الغربي الشامل: تخلت أوروبا وأمريكا عن التواجد البحري الهجومي؛ فحاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول أنهت مهامها في بحر العرب متجهة إلى طولون. وأمريكيا، توجهت سفينة القتال الساحلي سانتا باربرا من المنامة نحو سنغافورة وتايلاند، وانسحبت كاسحتا الألغام بايونير وتشيف إلى اليابان والفلبين. في حين تكتفي مجموعة الاستعداد البرمائية التابعة للسفينتين بوكسر وبورتلاند بعبور المحيط الهندي للابتعاد عن بؤر الاشتباك دون الانخراط في أي عمليات.

ثانيا: إسرائيل بين العزلة العالمية وإنكار الواقع

بينما تنسحب القوات الأمريكية، يغرق الداخل الإسرائيلي في حالة من الإنكار وانكشاف العجز بعد 1000 يوم من الكوارث المتتالية كما وصفها المحلل الإسرائيلي بن كاسبيت.
سقوط الشرعية الدولية: بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي، تلقت تل أبيب ضربة سياسية قاصمة بتصويت البرلمان السويدي بأغلبية 70 بالمئة على أن إسرائيل ليست دولة ديمقراطية. هذا التحول الجذري في الرأي العام الأوروبي يمهد لفرض عقوبات وعزلة خانقة تجعل من المستحيل على نتنياهو ترميم هيبة الكيان التي سحقت.
الأرقام الكارثية والإنهاك العسكري: أقرت وزارة الحرب الإسرائيلية بإصابة 26200 جندي خلال 1000 يوم من الحرب (منها 7700 إصابة نفسية وجسدية مركبة)، مع مطالبة الجيش بزيادة ميزانيته بـ 40 مليار شيكل لتغطية العجز الخطير في صواريخ الاعتراض.
انفصال نتنياهو عن الواقع: في ذروة هذا الانهيار، خرج نتنياهو بتصريح سريالي زاعما رغبته في التخلي التدريجي عن المساعدات العسكرية الأمريكية التي وصفها بـ “الإعانة الاجتماعية”، وهو تصريح وصفه يائير لابيد بأنه دليل على “كارثة الغطرسة والقراءة المشوهة للواقع”.

ثالثا: موت “اتفاق واشنطن” والميدان اللبناني

أمام التعنت الإسرائيلي، انهار “اتفاق الإطار” في لبنان تماما، وتحول إلى حبر على ورق.
تراجع السراي وفيتو المقاومة: أعلن رئيس الحكومة نواف سلام بوضوح أن ما تم التوصل إليه ليس معاهدة، بل مجرد إطار توجيهي، مطالبا بجدول زمني واضح للانسحاب. في المقابل، حسم النائب حسن فضل الله الموقف مؤكدا أن جنوب لبنان لن يكون حقل تجارب، وأن المقاومة ستجبر العدو على الانسحاب بالقوة.
التموضع الإسرائيلي الفاشل: أرجأت إسرائيل الخطة التجريبية للانسحاب لعدم قدرتها على فرض آليات رقابة. وبدلا من الانسحاب، عمدت قوات الاحتلال إلى إقفال البوابات الحدودية المستحدثة في قضاء بنت جبيل، محاصرة بذلك المدنيين وقوات اليونيفيل، ومستخدمة سياسة الأرض المحروقة في بلدات بيت ياحون وحداثا.
التلاحم بين عين التينة وطهران: وجه رئيس مجلس النواب نبيه بري رسالة رثاء عميقة ومؤثرة لوداع المرشد الإيراني الشهيد، مستذكرا الروابط التاريخية وكلمات السيد خامنئي: “لحمك من لحمي ودمك من دمي”. هذا الموقف يؤكد صلابة التحالف الداخلي مع إيران وصلابة الموقف في وجه أي محاولة للفتنة.

رابعا: ختام الدوحة، سلاح النفط، والأموال المجمدة

اختتمت المباحثات الفنية في الدوحة وسط إقرار أمريكي واضح بهزيمة الأهداف السياسية أمام الحاجة الاقتصادية.
اعتراف فانس النفطي: صرح دي فانس بصراحة أن هدف واشنطن من مذكرة التفاهم هو “إعادة تنشيط اقتصاد النفط العالمي وإعادة ملء المخزونات”. وقد ظهرت نتائج هذا التوجه بهبوط خام برنت دون 71 دولارا للبرميل، وزيادة أرامكو لصادراتها من رأس تنورة.
السيطرة على هرمز: أثبتت طهران سيادتها المطلقة بإجبار الجميع على احترام المسار الإيراني، وهو ما تأكد بجنوح سفينة حاويات أجنبية حاولت التمرد على الممر المعتمد.
شروط طهران المالية والنووية: رفضت إيران الابتزاز الأمريكي، حيث حسم قاليباف الأمر برفض تفتيش المنشآت التي قصفت، مؤكدا أن الصلاحيات مقيدة بمحطة بوشهر ومفاعل طهران فقط. أما في الدوحة، فقد اشترط الوفد الإيراني تسييل الأموال دون إملاءات أمريكية لشراء منتجات محددة.

الخلاصة والمآلات

في اليوم الرابع عشر لمذكرة التفاهم، تتبلور الحقيقة الجيوسياسية الأهم: الولايات المتحدة تخلت فعليا عن مشروعها لتغيير الشرق الأوسط لحساب إسرائيل، واختارت الانسحاب لتأمين اقتصادها النفطي. الكيان الإسرائيلي، الغارق في دماء 26 ألفا من جنوده، ترك وحيدا ومجردا من شرعيته الدولية (نموذج التصويت السويدي) ليواجه مصيره أمام محور مقاومة يزداد تماسكا.
لن ينجح نتنياهو في إنقاذ هيبة إسرائيل المفقودة، فالمأزق اللبناني لا يُحل بالمكابرة. وانسحاب أسراب المقاتلات الأمريكية هو إعلان صريح بأن المظلة الغربية قد سحبت، وأن إسرائيل أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق الاستنزافي الشامل في رمال الجنوب اللبناني، أو الانصياع لانسحاب مذل تحت جنح الظلام، وفقا لجدول زمني يفرضه محور المقاومة لا البنتاغون. وفي المقابل، تستعد طهران لتشييع مليوني تاريخي سيشكل استفتاء شعبيا يعزز أوراق مفاوضيها لفرض الإفراج عن آخر دولار من أموالها المجمدة.