رسالة أخيرة للسعودية قبل فوات الأوان
البيضاء نت | بقلم المحامي حسن الوشلي
تمر المنطقة بمخاض جيوسياسي عاصف، تتبدل فيه التحالفات وتتغير موازين القوى بسرعة غير مسبوقة. وفي قلب هذا المشهد المعقد، أعادت حادثة اعتراض الطيران الحربي السعودي للطائرة المدنية الإيرانية ومنعها من الهبوط في مطار صنعاء الدولي، وضع العلاقات بين الرياض وصنعاء عند مفترق طرق تاريخي وحاسم. إن هذا التصعيد الجوي الخطير يثبت أن لغة فرض القيود ومحاولات الخنق الاقتصادي لا تزال سائدة، وهي سياسة تحتم على صناع القرار في المملكة مراجعتها فوراً بعيون الواقعية والبراجماتية، قبل أن تنزلق المنطقة مجدداً نحو نقطة اللّاعودة.لقد أثبتت سنوات النزاع الطويلة حقيقة ملموسة لا يمكن التغاضي عنها: وهي أن لغة الصدام، واستمرار الحصار الجوي، ومحاولات كسر إرادة الشعب اليمني لم تنجح في تغيير المعادلات الميدانية. بل على العكس، أسهمت هذه السياسات في بناء معادلة ردع يمنية صاعدة قادرة اليوم على التأثير في حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ووضعت المطارات والمصالح الحيوية السعودية في مرمى النيران المباشرة في حال استمر انتهاك الأجواء اليمنية.إن الاستمرار في الرهان على لغة الحصار، والتعامل مع أجواء اليمن كملف خاضع للوصاية، يُعد سوء تقدير إستراتيجي فادح. والرسالة الأساسية التي يجب أن تصنع الفارق الآن تتلخص في شروط حتمية لبناء صفحة جديدة، وهي فرصة أمام الرياض لن تدوم طويلاً:أولاً: الاعتذار والتعويض قبل كل شيءإن الخطوة الأولى والأساسية لترميم العلاقات تبدأ من تقديم اعتذار رسمي وصريح للشعب اليمني عن كل ما لحق به من أضرار دمرت البلاد ومؤسساتها، يليه الالتزام الكامل بالتعويض العادل والشامل عن كافة الأضرار المادية والاقتصادية والبشرية الناجمة عن سنوات الحرب والحصار. فالشعوب لا تنسى جراحها، والعدالة هي ركيزة الاستقرار المستدام.ثانياً: رفع الحصار الجوي والبحري الشاملإن الترتيبات المتعلقة بعودة الحركة الملاحية كاملة إلى مطار صنعاء والموانئ اليمنية، وتسيير الرحلات المدنية دون اعتراض عسكري، هي حق سيادي لا يقبل المساومة. يجب على السعودية فك كافة قيود الأجواء والمنافذ فوراً، وإدراك أن معادلة “باب المندب مقابل رفع الحصار” باتت أمراً واقعاً.ثانياً: استغلال المهلة الأخيرةأمام القيادة في الرياض بضعة أيام فقط لالتقاط هذه الفرصة التاريخية؛ فالأيام القادمة هي النافذة الأخيرة لتوقيع اتفاق سلام حقيقي وإنجاح خارطة الطريق التنموية والسياسية. بعد انقضاء هذه الأيام القليلة، ستفقد السعودية كل العروض المرنة المطروحة حالياً على الطاولة، ولن تجد أمامها سوى خيارات تصعيدية باهظة الكلفة تطال عمقها الاقتصادي ومنشآتها الحيوية.الفرصة ما زالت سانحة أمام القيادة السعودية لتدارك الموقف وتأمين مستقبل جيرتها وحماية مشاريعها التنموية الكبرى عبر بوابتي العدالة والإنصاف، بدلاً من الاستمرار في دور الطرف المحاصر الذي يستدعي جبهات حرب جديدة. لقد حان وقت القرار الشجاع والحاسم، والعداد الزمني قد بدأ بالفعل.. قبل فوات الأوان.