السيادة لا تُساوم: الكعبي ينسف “دبلوماسية التخاذل” ويضع واشنطن في قفص الاتهام

البيضاء نت | تقرير خاص 

في تصعيد لافت يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والنهج الميداني لفصائل المقاومة في العراق، وجه الأمين العام لحركة “النجباء”، الشيخ أكرم الكعبي، انتقادات لاذعة لمسارات الموقف الحكومي تجاه الإدارة الأمريكية، مؤكداً أن قضايا السيادة ودماء القادة لا تخضع لحسابات “تجاوز الماضي” أو المصالح السياسية الضيقة.

“دماء القادة” مقابل “تجاوز الماضي”

جاء موقف الكعبي في سياق رد فعل غاضب على ما وصفه بـ “التخاذل الرسمي” في التعامل مع ملف اغتيال قادة النصر (المهندس وسليماني) خلال اللقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي الوقت الذي تسعى فيه الأوساط الحكومية إلى طي صفحة التصعيد تحت مبررات دبلوماسية وواقعية سياسية، شدد الكعبي على أن دماء الشهداء تمثل “وسام شرف” يعلو رأس ترامب وإدارته، معتبراً أن أي محاولة للالتفاف على هذه الجريمة هي تفريط بالثوابت الوطنية.

طرد الشركات الأمريكية: “معركة السيادة الاقتصادية”

لم يقتصر خطاب الكعبي على الجانب السياسي والعسكري، بل امتد ليشمل الملف الاقتصادي، حيث فتح النار على الشركات الأمريكية العاملة في قطاع الطاقة. وأكد الكعبي أن هذه الشركات، التي هيمنت على قطاع الكهرباء منذ عام 2003، كانت سبباً رئيساً في تدمير البنية التحتية للطاقة الوطنية، واصفاً إياها بـ “لصوص النفط” و”أدوات الفساد”.

وطالب الأمين العام لحركة النجباء باتخاذ إجراءات حازمة لإنهاء وجود هذه الشركات، معتبراً أن استعادة السيادة الاقتصادية هي جزء لا يتجزأ من التحرر من الهيمنة الأجنبية.

انقسام المشهد السياسي: بين “الواقعية الدبلوماسية” و”ثوابت المقاومة”

لقد أثارت تصريحات الكعبي ردود فعل متباينة داخل أروقة القرار في بغداد. فبينما يرى تيار “الواقعية السياسية” أن التصعيد الإعلامي قد يعرقل جهود الحكومة في إدارة الملفات الاقتصادية والكهرباء مع الشركات الأجنبية، يرى تيار “المقاومة” أن هذا التراخي يمنح الغطاء للوجود الأمريكي للاستمرار في هيمنته. هذا الانقسام يضع الحكومة في مأزق “التوازن الهش”، حيث تُطالب بالانفتاح دولياً بينما تواجه ضغطاً شعبياً وسياسياً يطالب بـ “السيادة الكاملة”.

ما وراء التصعيد: مرحلة “الضغط النوعي”

يرى خبراء الشؤون الاستراتيجية أن خطاب الكعبي يمثل مؤشراً على دخول المقاومة في مرحلة “الضغط النوعي”، حيث يتم التركيز على ملفات تمس حياة المواطن اليومية (مثل أزمة الكهرباء) وربطها بالوجود الأمريكي. هذا التحول التكتيكي يهدف إلى:

  1. تحشيد الرأي العام: تحويل قضية السيادة من شعارات سياسية إلى مطالب شعبية مرتبطة بتحسين الخدمات.

  2. رفع كلفة الوجود الأمريكي: الضغط باتجاه تحويل وجود الشركات الأجنبية من “مصلحة اقتصادية” إلى “عبء سياسي” لا تتحمله الحكومة.

 

رسائل المقاومة وخيارات المستقبل

تضمن بيان الكعبي رسائل واضحة ومباشرة للداخل والخارج، أبرزها:

  • ثبات البوصلة: المقاومة تعتبر أن مسألة السيادة غير قابلة للتفاوض أو المساومة تحت أي ذريعة.

  • رفض الوصاية: التأكيد على أن العراق لن يكون ساحة آمنة لمشاريع الإدارة الأمريكية التي تسعى لاستنزاف ثروات البلاد.

  • الجهوزية الميدانية: التأكيد على أن “سلاح المقاومة” سيبقى في حالة جهوزية لتطهير البلاد من مظاهر الفساد والارتهان للاحتلال.

وفي ظل هذا التصعيد، تبقى التساؤلات مطروحة حول الخطوات القادمة: هل ستدفع القوى السياسية المؤيدة لهذا التوجه نحو البرلمان لفرض قوانين تنهي عمل الشركات المعنية؟ أم سنشهد حراكاً جماهيرياً يفرض معادلة جديدة؟

يبقى المشهد العراقي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الطموحات الوطنية. وبحسب المراقبين، فإن كلمات الكعبي لم تكن مجرد موقف عابر، بل هي “إعلان موقف” يعيد تعريف قواعد الاشتباك السياسي في المرحلة القادمة، مما يجعل ملف السيادة والطاقة المحور الأساسي لأي حوارات حكومية مرتقبة مع الإدارة الأمريكية.