نهاية “الردود المتناسبة” ووأد حرب ترمب: طهران توسّع “المحرمات” البحرية وتستهدف السفن الأمريكية، والاحتلال يتهرب من ما بعد “علي الطاهر”

المشهد الاستراتيجي والجيوسياسي العام

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في اليوم الحادي والثمانين لسقوط مذكرة التفاهم (الأحد 6 أيلول 2026 – اليوم 190 للحرب)، تدخل المواجهة الإقليمية حقبة جديدة كلياً عنوانها سقوط قاعدة “الردود المتناسبة”. ففي أعقاب استهداف الولايات المتحدة لثلاث ناقلات نفط إيرانية، أعلنت طهران صراحة تغيير قواعد اللعبة، مطلقة العنان لعمليات استهداف بحرية شاملة طالت مدمّرة وحاملة طائرات أمريكية بصواريخ باليستية ومضادة للسفن. وفي حين يُكابد ترمب وإدارته تداعيات الانهيار اللوجستي والإحراج الناتج عن كشف صحيفة “واشنطن بوست” لمسؤولية البحرية الأمريكية عن مجزرة حفل الزفاف في “سيريك”، تتخبط إسرائيل في مستنقع الجنوب اللبناني، محاوِلةً الهروب من استنزاف “علي الطاهر” بخطة التفافية تُسمى “الخط الرمادي”، وسط تأهب استخباري لهجوم إيراني متزامن على عدة جبهات.

أولاً: الجبهة اللبنانية.. مناورة الهروب من “علي الطاهر” وتعرية التفوق الناري

خطة “الخط الرمادي” ومأزق السيطرة: نقلت قناة “كان” العبرية ومصادر أمنية إسرائيلية عن مساعي جيش الاحتلال لإعادة ترتيب قواته في جنوب لبنان، عبر خطة تبدأ بتفجير مساري أنفاق تحت جبل “علي الطاهر”، يليها انسحاب تكتيكي من “الخط الأصفر” والتراجع للتموضع ضمن “الخط الرمادي” (بعمق 2 إلى 4 كيلومترات من الحدود) حيث تُبنى 20 موقعاً ثابتاً. هذا التراجع يُكذّب ادعاءات السيطرة العملياتية المطلقة، ويعكس عجز الاحتلال عن البقاء في مرتفعات حاكمة تستنزف جنوده.

أبعاد المأزق خلف واجهة التفوق الناري: إن تحكم الاحتلال بالقتل والنار وقدرته التدميرية أمر واقع لا جدال فيه، لكنه عاجز عن تحويله إلى مكسب سياسي أو أمني مستدام، وتتجلى معالم هذا الفخ في عدة نقاط:

الفشل الاستراتيجي الأول: الهدف المعلن للحرب ليس احتلال التلال، بل إعادة أكثر من 70 ألف مستوطن إلى الشمال. استمرار انطلاق الصواريخ يعني أن الشمال لا يزال مشلولاً ومفرغاً، والتفوق الناري لم يُعد مستوطناً واحداً إلى بيته.

فخ التثبيت (عقدة ما قبل عام 2000): يدرك جنرالات الاحتلال أن البقاء الدائم فوق التلة يحول القوات إلى أهداف ثابتة لصواريخ الكورنيت والمسيّرات والعبوات؛ والجيش لا يملك القدرة على تحمل نزيف يومي هناك.

عقم السيطرة الجغرافية: هيكل المقاومة اللامركزي يسمح بتعويض خسارة أي جغرافيا بنقل نقاط الإطلاق لخطوط خلفية، ما يجعل “السيطرة العملياتية” على التلة إنجازاً تكتيكياً معزولاً لا يحسم حروب العصابات غير المتناظرة.

الاستنزاف المجتمعي: يقابل التفوق الناري انهيار داخلي في جدار الثقة؛ فهجرة قرابة 300 ألف إسرائيلي تعكس إدراكاً مجتمعياً بأن الجيش قادر على القتل، لكنه عاجز تماماً عن فرض الأمن.

استهداف المدنيين والردع المفقود: صعدت إسرائيل اعتداءاتها منذ الفجر، مستهدفة مدينة النبطية (حي الراهبات، وحي الدير، ومستشفى غندور الذي دُمر بالكامل)، وعربصاليم (عقب تحذير بالإخلاء)، وكفررمان، والمنصوري، وميفدون، والرمادية، ما أسفر عن حصيلة أولية بلغت 4 شهداء ونحو 20 جريحاً. وقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية ارتفاع حصيلة العدوان منذ مارس إلى 4358 شهيداً و12359 جريحاً.

المناورة السياسية بورقة النازحين: تزامناً مع انسحابه التكتيكي، أبلغ الاحتلال بيروت رسمياً (عبر واشنطن) بمنع عودة السكان إلى القرى المخلاة إلا ضمن شروط تُفرض في مفاوضات روما المقبلة، محاولاً انتزاع مكاسب سياسية لتعويض إخفاقاته الميدانية.

ثانياً: معركة المضائق وإسقاط سردية “التأمين الأمريكي”

استهداف حاملة الطائرات والمدمرة: في تحول استراتيجي، أعلنت القوة الجوفضائية للحرس الثوري مسؤوليتها عن استهداف حاملة طائرات ومدمرة أمريكيتين بعدة صواريخ باليستية متطورة، رداً على مشاركتهما في الحصار البحري. وأكد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي (محسن رضائي) أن هذا الاستهداف تم باستخدام صاروخ إيراني حديث (اختُبر قبل 48 ساعة)، ما خلق “جحيماً للأمريكيين وأجبر بوارجهم على الفرار”.

الردع المباشر للناقلات المخالفة: أعلنت بحرية الحرس الثوري استهداف 3 ناقلات نفط حاولت العبور عبر مسار غير مصرح به وبدعم أمريكي. وأكد رضائي أن إيران تتجنب إغراق الناقلات المهربة للنفط بشكل كامل لتفادي كوارث بيئية، لكنها تستهدفها لتعطيل حركتها.

فضح أكذوبة فتح هرمز وإعلان منطقة محظورة جديدة: كذّب رضائي ادعاءات ترمب بفتح هرمز، كاشفاً أن المضيق لا يعبره سوى 7 إلى 8 سفن تنقل السلع الأساسية لإيران (مقارنة بـ 100 سفينة سابقاً). وفي خطوة تصعيدية، أعلن عن التجهيز لفرض منطقة محظورة جديدة خارج مضيق هرمز تبدأ من خط حصار البحرية الأمريكية وتمتد للخليج، محذراً من أن أي سفينة تدخلها ستُدرج ضمن العقوبات الإيرانية.

حركة العبور الميدانية (OSINT): وثقت حركة الملاحة في المضيق يوم الأحد نشاطاً مكثفاً:

المسار الجنوبي (المحاصر إيرانيًا): أُجبرت ناقلات “VELOS AMBER” اليونانية، و”BRAVO” الإماراتية، و”AL SHEEHANIYA” القطرية على الاستدارة والتراجع، في حين سُمح لناقلة الغاز القطرية “AL DAYEEN” بالعبور.

الممر الإيراني: شهد عبوراً ناجحاً لناقلة النفط التركية “MERCAN”، والناقلة العراقية “ALRAYA”، بالإضافة لناقلتين خاضعتين للعقوبات الأمريكية (“TANIA STAR” و “ALIZA”).

ثالثاً: انكشاف أمريكا الاستراتيجي وهندسة الردع الجديدة

انهيار الردود المتناسبة: أكد رئيس مجلس الشورى (محمد باقر قاليباف) أن واشنطن أدركت أن ضرب القواعد لم يكن سوى البداية، وأن قواعد اللعبة تغيرت؛ فأي انتهاك سيقابل برد أسرع وأشد، معلناً الدخول في حرب شاملة (عسكرية، ودبلوماسية، واقتصادية) لإلحاق الهزيمة بأمريكا.

وأد “حرب الأيام العشرة”: كشف رضائي أن بنك الأهداف الإيراني كان يمتلك إحداثيات قواعد استراتيجية كقاعدة “تيتن” في الأردن وبعض مقار أربيل منذ فترة طويلة وتجنب ضربها، لكن استهدافها الأخير أجبر ترمب على التراجع الفوري عن تنفيذ خطته الشاملة (“حرب الأيام العشرة”) ووأدها في مهدها.

فضيحة مجزرة “سيريك”: كشف تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” أن ذخيرة أمريكية أُطلقت من البحرية انحرفت عن هدفها وضربت حفل الزفاف في جنوب إيران (ما أدى لمقتل 4 وإصابة 90)، وهو ما فضح المحاولات الأولية للبنتاغون بإنكار الهجوم وأثبت تورطها المباشر في قصف المدنيين.

التأهب لـ”عاصفة المحور”: تستنفر القيادة الإسرائيلية والأمريكية عقب ورود معلومات استخباراتية تفيد بتجهيز طهران وفيلق القدس لشن هجوم متزامن ومتعدد الجبهات (يضم حزب الله، وأنصار الله، وفصائل العراق) لتجنب أخطاء التنسيق السابقة وإعادة هيكلة قوة الردع الخاصة بـ”محور المقاومة”. ونتيجة لذلك، أطلق رئيس الأركان الإسرائيلي هرتسي هاليفي تدريباً مفاجئاً لفحص جاهزية القيادة العليا تحسباً لتصعيد إقليمي خلال فترة الأعياد اليهودية القادمة.

الخلاصة والمآلات القادمة
طوت طهران يوم الأحد 6 أيلول صفحة التريث التكتيكي، وأعلنت صراحة عن إسقاط “الرد المتناسب” لتدشن مرحلة الاستهداف البحري المباشر للحاملات الأمريكية وإنشاء مناطق حظر مستحدثة خارج هرمز. واشنطن التي سعت للتصعيد عبر ضرب ناقلات إيرانية، وجدت نفسها مجبرة على الفرار ببوارجها وإلغاء حملتها الجوية (“الأيام العشرة”) تحت وطأة الباليستي الإيراني.

المآل القادم:

لبنانياً: إعلان إسرائيل تفجير أنفاق “علي الطاهر” وتراجعها لـ”الخط الرمادي” هو إقرار بهزيمة استراتيجية في حرب المواقع. هذا الانكفاء سيفشل في تأمين مستوطنات الشمال وسيعرض قواتها لاستنزاف أشد في مناطق رخوة ومكشوفة، وسيفقد تل أبيب ورقتها التفاوضية المزعومة.

إقليمياً وبحرياً: سيدفع إعلان طهران المرتقب عن منطقة حظر جديدة خارج المضيق إلى شلل ملاحي تام يعرقل الممرات البديلة لدول الخليج. ومع انفضاح مسؤولية واشنطن عن مجزرة الزفاف وارتباكها، فإن المنطقة مهيأة لانفجار واسع النطاق تقوده غرف عمليات المحور المشتركة، ما سيضع إدارة ترمب، التي باتت عاجزة عن حماية حاملاتها، أمام اختبار الرضوخ للتسوية أو مواجهة حرب لا قدرة لها على تحمل كلفتها الاقتصادية والعسكرية.