ثورة 21 سبتمبر.. من الوصاية إلى السيادة واستعادة القرار الوطني

البيضاء نت | تقرير خاص 

تحلّ الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 سبتمبر، التي اندلعت في العاصمة صنعاء عام 2014، بوصفها محطة مفصلية في التاريخ السياسي اليمني الحديث. فمنذ ذلك التاريخ دخل اليمن مرحلة جديدة اتسمت بإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، وتصاعد النقاش حول مفهوم السيادة الوطنية، وحدود التدخلات الإقليمية والدولية في القرار اليمني.

ويرى مؤيدو الثورة أنها مثّلت استجابة شعبية لتراكمات سياسية واقتصادية وأمنية، من بينها تدهور الأوضاع المعيشية، وارتفاع أسعار المشتقات النفطية، وانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، فضلاً عن تنامي النفوذ الخارجي في إدارة الشأن اليمني. في المقابل، يصف خصومها ما جرى بأنه انقلاب على مؤسسات الدولة، أدى إلى تعقيد الأزمة السياسية وفتح الباب أمام صراع داخلي وإقليمي واسع.

سياق سياسي واقتصادي مضطرب

جاءت أحداث سبتمبر 2014 بعد مرحلة انتقالية مضطربة أعقبت احتجاجات عام 2011 والمبادرة الخليجية التي نقلت السلطة من الرئيس علي عبدالله صالح إلى عبدربه منصور هادي. وعلى الرغم من انعقاد مؤتمر الحوار الوطني وطرح مخرجات سياسية لتأسيس مرحلة انتقالية جديدة، فإن الخلافات حول شكل الدولة، وتقاسم السلطة، والقضايا العسكرية والأمنية، ظلت حاضرة بقوة.

وفي صيف 2014، أدى قرار رفع الدعم عن المشتقات النفطية، المعروف شعبياً باسم «الجرعة»، إلى اتساع الاحتجاجات في صنعاء وعدد من المحافظات. ورفعت حركة أنصار الله مطالب شملت إلغاء القرار، وتشكيل حكومة جديدة، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وإنهاء ما وصفته بالتدخل الخارجي في القرار اليمني.

ومع تصاعد الاحتجاجات والاشتباكات، تمكنت الحركة والقوى المتحالفة معها من دخول صنعاء في 21 سبتمبر 2014، لتبدأ مرحلة سياسية وعسكرية جديدة، سرعان ما تجاوزت حدود الخلاف الداخلي إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

السيادة في الخطاب السياسي للثورة

احتل مفهوم «الحرية والاستقلال» موقعاً مركزياً في خطاب ثورة 21 سبتمبر. ويؤكد أنصارها أن اليمن قبل عام 2014 كان يعاني من تبعية سياسية واقتصادية وأمنية، وأن بعض القرارات السيادية كانت تتأثر بمواقف القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والاقتصاد والعلاقات الخارجية.

وتستند هذه الرؤية إلى انتقادات وُجّهت آنذاك إلى طبيعة العلاقة بين الحكومة اليمنية وبعض السفارات والقوى الدولية، إلا أن توصيف السفير الأميركي بأنه «الحاكم الفعلي لليمن» يبقى توصيفاً سياسياً صادراً عن خصوم تلك المرحلة، وليس حقيقة موثقة بإجماع المصادر المستقلة. لذلك، فإن القراءة الصحفية المتوازنة تميّز بين الوقائع المعلنة، مثل وجود نفوذ ومساعدات وضغوط خارجية، وبين التوصيفات السياسية التي تستخدمها الأطراف المتنافسة في تفسير الأحداث.

وبعد سيطرة الحركة على صنعاء، تحوّل شعار إنهاء الوصاية إلى مشروع سياسي وعسكري يسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الاستقلال، وتطوير القدرات المحلية، وتقليص الاعتماد على الخارج، خصوصاً في مجالات التسليح والاقتصاد والأمن.

من الأزمة الداخلية إلى الحرب الإقليمية

لم تفضِ أحداث سبتمبر إلى تسوية سياسية مستقرة، بل دخل اليمن في مسار تصعيدي متسارع. فقد استمرت الخلافات بين القوى السياسية، وتوسعت رقعة المواجهات، ثم تدخل التحالف الذي تقوده السعودية عسكرياً في مارس 2015، ما أدى إلى تدويل الصراع وتحوله إلى واحدة من أطول الأزمات وأكثرها تعقيداً في المنطقة.

ومنذ ذلك الحين، انقسم اليمن إلى مناطق نفوذ متعددة، وتراجعت سلطة المؤسسات المركزية، وتدهورت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، فيما أصبحت البلاد ساحة لتنافس إقليمي ودولي. وفي هذا السياق، يرى مؤيدو الثورة أن الحرب والحصار عززا التماسك الداخلي في مناطق سيطرة صنعاء، بينما يرى خصومها أن سيطرة جماعة مسلحة على مؤسسات الدولة أسهمت في تفكيك النظام السياسي وإطالة أمد النزاع.

وتشير تقارير دولية إلى أن الحرب خلّفت أزمة إنسانية واسعة، شملت النزوح، وتضرر البنية التحتية، وتراجع الخدمات العامة، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي. وبذلك أصبحت قضية السيادة اليمنية مرتبطة ليس فقط بإنهاء التدخل الخارجي، بل أيضاً باستعادة مؤسسات الدولة ووحدتها وقدرتها على تقديم الخدمات وحماية المدنيين.

بناء القدرات والاعتماد على الذات

يضع الخطاب المؤيد لثورة 21 سبتمبر تطوير القدرات العسكرية والصناعات المحلية في مقدمة ما يعتبره إنجازات المرحلة. فقد أعلنت سلطات صنعاء خلال السنوات الماضية تطوير منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة، واستخدامها في مواجهة السعودية والإمارات، ثم في عمليات مرتبطة بالحرب في غزة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وتقدم صنعاء هذه القدرات بوصفها دليلاً على الانتقال من الاعتماد على السلاح الخارجي إلى بناء قوة ردع محلية. غير أن هذه السياسة أسهمت في الوقت نفسه في تصعيد المخاطر الإقليمية، وأثارت مخاوف دولية بشأن أمن الملاحة واستهداف المنشآت المدنية والاقتصادية. ومن ثم، فإن تقييم هذا المسار يتطلب موازنة الاعتبارات الأمنية والسيادية مع كلفته الإنسانية والاقتصادية واحتمالات توسيع دائرة الصراع.

أما في المجال الاقتصادي، فقد ركزت السلطات في صنعاء على تشجيع الإنتاج المحلي، وتوسيع الزراعة، وتقليص فاتورة الاستيراد، وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي. إلا أن الحصار والانقسام النقدي وتعدد السلطات المالية، إلى جانب تراجع الإيرادات النفطية، حدّت من قدرة الاقتصاد اليمني على تحقيق تحول شامل ومستدام.

الهوية الوطنية والثقافية

لم تقتصر أهداف الثورة، وفق خطاب أنصارها، على الجوانب السياسية والعسكرية، بل امتدت إلى المجال الثقافي والاجتماعي. فقد ركزت السلطة القائمة في صنعاء على تعزيز ما تسميه «الهوية الإيمانية» و«الثقافة القرآنية»، ومواجهة ما تعتبره تغريباً ثقافياً أو اختراقاً فكرياً خارجياً.

ويرى مؤيدو هذا التوجه أنه أسهم في تعزيز الشعور بالانتماء الوطني ومقاومة التدخلات الخارجية، بينما ينتقده خصومه باعتباره توجهاً أيديولوجياً قد يضعف التعددية السياسية والفكرية ويعمّق الانقسام المجتمعي. وبين الرؤيتين تبرز الحاجة إلى مشروع وطني جامع يحافظ على الهوية اليمنية بمختلف مكوناتها، ويضمن حرية الاعتقاد والتعبير والمشاركة السياسية لجميع اليمنيين.

الموقف من القضية الفلسطينية

أصبح الموقف من القضية الفلسطينية أحد أبرز أوجه السياسة الخارجية لسلطات صنعاء خلال السنوات الأخيرة. فقد اتخذت موقفاً داعماً للفلسطينيين، وربطت عملياتها في البحر الأحمر بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مطالبة بوقف الحرب ورفع الحصار عن القطاع.

ويقدم أنصار الثورة هذا الموقف باعتباره امتداداً لمبدأ الاستقلال في القرار الخارجي، ودليلاً على أن اليمن لم يعد يتعامل مع القضايا الإقليمية وفق إملاءات القوى الكبرى. في المقابل، تحذر أطراف دولية وإقليمية من أن العمليات البحرية والهجمات المتبادلة قد تهدد حركة التجارة العالمية وتزيد من عسكرة البحر الأحمر، بما يفرض تحدياً إضافياً على أمن المنطقة واستقرارها.

بين استعادة القرار وتحديات الدولة

بعد اثني عشر عاماً على أحداث 21 سبتمبر، ما يزال تقييم الثورة موضع انقسام حاد داخل اليمن وخارجه. فبالنسبة إلى مؤيديها، كانت نقطة انطلاق لاستعادة القرار الوطني ورفض الوصاية والتبعية، وتمكنت من إبقاء صنعاء لاعباً رئيسياً في المعادلات اليمنية والإقليمية. أما خصومها، فيرون أنها أفضت إلى إضعاف الدولة، وتعطيل العملية السياسية، وتوسيع نطاق التدخلات الخارجية بدلاً من إنهائها.

وتكشف التجربة اليمنية أن السيادة لا تُقاس فقط بامتلاك قرار عسكري مستقل أو القدرة على مواجهة الخارج، بل تشمل أيضاً وجود مؤسسات وطنية موحدة، واحتكار الدولة للسلاح، واستقلال القضاء، وإدارة الموارد بعدالة، وضمان الحقوق والحريات، وتوفير الأمن والخدمات للمواطنين.

ومن هذا المنظور، فإن استعادة القرار الوطني تظل هدفاً مشتركاً بين اليمنيين، غير أن تحقيقها يتطلب تسوية سياسية شاملة، وإنهاء الانقسام، ووقف التدخلات الخارجية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على قاعدة الشراكة الوطنية، بعيداً عن منطق الغلبة والإقصاء.

خلاصة

مثّلت ثورة 21 سبتمبر تحولاً كبيراً في مسار اليمن الحديث، إذ أعادت تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، ورفعت قضية السيادة والاستقلال إلى صدارة الخطاب السياسي، وأطلقت تحولات عميقة في موازين القوى الداخلية والإقليمية.

لكن استكمال مشروع السيادة لا يرتبط بالقدرة على الصمود العسكري وحدها، بل بإنهاء الحرب، واستعادة وحدة المؤسسات، وتحقيق المصالحة الوطنية، وإعادة بناء الاقتصاد، وضمان مشاركة جميع المكونات اليمنية في صياغة مستقبل البلاد.

وبينما يواصل مؤيدو الثورة الاحتفاء بها باعتبارها مساراً للتحرر من الوصاية الخارجية، تبقى مسؤولية تحويل شعار «الحرية والاستقلال» إلى واقع مستدام رهناً بقدرة اليمنيين على بناء دولة جامعة، مستقلة القرار، وقادرة على حماية مواطنيها وتحقيق السلام والتنمية.