بروباغندا الانتصارات الوهمية وسردية النصر الزائف في مواجهة انهيارات ميدانية.
البيضاء نت | مقالات
بقلم / وضاح بن مسعود
تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً هو الأعنف منذ انهيار الهدنة في يوليو الماضي بعد إعلان التصعيد مقابل التصعيد وحظر عبور السفن السعودية وتوقف صادرات النفط السعودي ..نجحت القوات المسلحة اليمنية بفضل الله تعالى وعونه في شن هجوم خاطف سيطرت خلاله على كامل الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة المخا ومضيق باب المندب، ومساحة تُقدَّر بأكثر من 5,400 كيلومتر مربع كانت تحت سيطرة القوات الموالية للسعودية كما أسقطت مقاتلة سعودية من طراز F-15 في أجواء مأرب، واسقاط عدد كبير من الطائرات المسيرة بالإضافة الى عدد كبير من العمليات العسكرية النوعية التي تم خلالها استهداف اهداف حيوية ( أرامكو ) وقواعد عسكرية وأهداف حساسة في عمق السعودية بما فيها العاصمة الرياض كل هذه الأحداث وصفها خبراء بأنها ضربات دقيقة وحساسة تحمل رسائل عميقة تُظهر من خلالها مدى تطور القدرات العسكرية لأنصار الله التي أصبحت قوة إقليمية لا يستهان بها.
في المقابل، كثّفت السعودية غاراتها الجوية، حيث أعلن المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية عن تنفيذ الرياض لأكثر من 1000 غارة على عدد المحافظات اليمنية خلال الأيام الماضية. اغلب تلك الغارات كانت أعيان مدينة وسجون .. لكن هذه الغارات لم توقف التقدم الميداني في عدة جبهات لأنصار الله، بل دفعت الرياض إلى طلب مساعدة عسكرية أمريكية بشكل عاجل، وهو طلب قوبل بالرفض من إدارة ترامب ..ثم عُقد اجتماعات مع تركيا وباكستان ولكن دون جدوى ومع تزايد العزلة، بدأت السعودية تدرس خيارات دبلوماسية عبر وساطة عمانية للتوصل إلى اتفاق ثنائي مع أنصار الله.
ما هي “بروباغندا النصر”؟ في هذا السياق من الانهيارات الميدانية المتتالية، لجأت السعودية إلى استراتيجية إعلامية تقوم على تكثيف الحملات الدعائية في محاولة لرفع معنويات أنصارها من جهة، وتغطية الإنجازات الميدانية لقوات صنعاء من جهة أخرى. هذه الظاهرة تُعرف بـ”بروباغندا النصر” أو “سردية النصر الزائف”، وهي نمط من التضليل المعلوماتي يهدف إلى خلق واقع بديل عبر ترويج انتصارات وهمية لا وجود لها على الأرض.
أمثلة موثقة على التضليل
تتجلى هذه الاستراتيجية في عدة مظاهر موثقة فقد نشرت المنصات الإعلامية الموالية للسعودية مقاطع فيديو قديمة مدّعية أنها تُظهر عمليات حديثة، من بينها مشاهد لسقوط حطام طائرة F-15 جرى دمجها مع لقطات لمسيّرة أمريكية سابقة. نشر خبر يروج لوقوع عملية إنزال جوي في العاصمة صنعاء. كما استُخدمت فيديوهات من سوريا والسودان للادعاء زوراً أنها عمليات ضد القوات المسلحة اليمنية
وفي تصعيد لافت، روّجت الرياض لاتهامات بقيام قوات صنعاء باستهداف مكة المكرمة وقد وصف السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يحفظه الله، هذه الاتهامات بأنها “أكبر أكذوبة في هذا العصر، وافتراء سخيف ومرفوض جملةً وتفصيلًا”. أن استخدام الرياض كلمة “مكة” لتحريض المشاعر الدينية ضد القوات المسلحة اليمنية ومحاولة تعبئة الرأي العام العربي والإسلامي، محاولات يائسة ورخيصه ومكشوفه لا يمكن تغيير مسار المواجهة بهذا الأسلوب الدنيئ..
لماذا تتعمد السعودية هذه الاستراتيجية؟ 1. تغطية الانهيارات الميدانية
مع كل تقدم ميداني لأنصار الله، يزداد الضغط على الرياض لتقديم رواية بديلة فبعد أن سيطرت قوات صنعاء على باب المندب، بدأت الآلة الإعلامية السعودية بنشر أخبار عن تقدم قواتها في الجوف ومأرب والبيضاء والساحل الغربي، لكن سرعان ما كشفت الوقائع الميدانية زيف هذه الروايات، حيث أظهرت المشاهد الميدانية أن القوات المسلحة اليمنية بسطت سيطرتها الكاملة على كامل الساحل الغربي وباب المندب وبقية المناطق التي تم تحريرها مؤخرا..
2. تعويض غياب الحسم العسكري
مع تزايد التكلفة العسكرية وغياب الدعم الدولي العملياتي، لم تعد الرياض قادرة على تحقيق حسم عسكري فعال، كما تشير المصادر الإسرائيلية التي رصدت التحول السعودي نحو البحث عن مخرج دبلوماسي، وفي ظل هذا العجز، تصبح البروباغندا الأداة الوحيدة المتاحة للحفاظ على ماء الوجه.
3. استدعاء الشرعية الدينية يمثل استخدام المقدسات الإسلامية ورقة أخيرة في ترسانة الرياض الإعلامية. فالاتهام باستهداف مكة ليس مجرد تضليل عسكري، بل محاولة لتحويل الصراع من مواجهة سياسية وعسكرية إلى قضية دينية تستقطب تعاطفاً إسلامياً واسعاً.
4. الحفاظ على الجبهة الداخلية
تبرز الحاجة إلى رفع معنويات القوات الموالية للسعودية كدافع رئيسي، فقد كشف تقرير لمليشيات موالية للسعودية عن حالة “غليان شعبي” في عدن والمحافظات الخاضعة للتحالف، مع رفض متزايد للزج بأبناء هذه المناطق في “محرقة الموت” خدمة للمصالح السعودية.
خاتمة تكشف بروباغندا النصر الزائف عن أزمة استراتيجية عميقة، فحين يعجز الميدان عن تحقيق أي إنجاز، يصبح الإعلام ملاذاً أخيراً لصناعة وهم النصر لكن هذا الوهم، كلما تضخم زاد الاصطدام بالوقائع وتآكلت معه المصداقية أكثر ومع استمرار التقدم الميداني للقوات المسلحة اليمنية، تبدو الرياض أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاعتراف بالهزيمة والجنوح نحو تسوية دبلوماسية يتم خلالها التنفيذ الواقعي لخارطة الطريق، أو الاستمرار في التخبط والانغماس في مستنقع تعجز السعودية عن الخروج منه حتى لو دفعت كل ما تملكه من نفط واموال .. والعاقبة للمتقين.