المنطقة تغلي بين نار حرب وبنود صفقة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / د. محمد هزيمة

ما يسمى الشرق الأوسط لم يعد على حافة الحرب، بل دخل مرحلة العد التنازلي أيام قليلة تفصلنا عن قرار سيغير خريطة المنطقة إما عملية عسكرية واسعة تلحق أضراراً جسيمة بإيران وترد عليها طهران بضرب (إسرائيل) والمصالح الأمريكية أو صفقة تسبق تنقذ الجميع، وحتى اللحظة، والمنطقة أمام خطتين متوازيتين يتصارعان داخل البيت الأبيض نفسه.

وفي غرفة واحدة في الدوحة التي تعمل كمهندس لصفقة تجاوزت دور الوسيط بجلسات مباحثات يوم الجمعة، ومفاوضات قيل إنها أحرزت تقدماً إيجابياً؛ فالدوحة ليست ناقل رسائل بل صانع مراحل متبادلة وخلال أيام عملت على إقناع إيران بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة زيارة منشآت قصفت لبناء ثقة مقابل تخفيف أمريكي بعض العقوبات.

ترجمت قطر عمليًا رسالة نائب الرئيس “فانس” إلى رئيس الأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي التي قال فيها حرفيا: مصلحتكم في الحفاظ على سيادتكم وإعادة بناء اقتصادكم، ومصلحتنا في ضمان عدم حصولكم على سلاح نووي أبداً وهذا المضمون يعتبر تحولاً استراتيجيًا بالسياسة الأمريكية، بواقعية “مصلحتكم ومصلحتنا” أساس أسس عليه الوفد القطري أرضية تفاوض منتجة يورانيوم عالي التخصيب يودع في روسيا بتمويل قطري، مفتشون يعودون، والتزام بعدم التخصيب العسكري، مقابل رفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال المجمدة والسماح ببيع النفط إلا أن عقدة برزت هي من يتنازل أولاً؟

ترامب يريد تنازلات نووية إيرانية قبل استئناف المفاوضات، وطهران تريد رفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال والسماح ببيع النفط كخطوةٍ أولى، وهذه ليست عقدة تقنية بل جوهرية وعامل الثقة مع ترامب منعدمة، والخشية من قلب الطاولة باللحظة الأخيرة؛ فخسارة أمريكا وقعت وخسارته الانتخاب لا بمكن تعويضها والحصار البحري على إيران أرتد على أمريكا، والبيت الأبيض فريقان؛ فريق الحرب وفريق الصفقة، انقسامًا عموديًا داخل الدائرة المقربة من ترامب فريق الحرب وزير الدفاع “بيت هيغسيث” ووزير الخارجية “ماركو روبيو” يشككان في إمكانية الاتفاق ويريان أن إرث ترامب يجب أن يكون إضعاف النظام بضربات إضافية يتقاطعان مع نتنياهو الذي يضغط لعملية مشتركة فور انتهاء الانتخابات.

أما فريق الصفقة الذي بجمع نائب الرئيس “فانس” والمبعوثان “ويتكوف وكوشنر” يدفعون للمفاوضات ومعهم وزير الخزانة “سكوت بيسنت” الذي يقود عملية الإقصاء الاقتصادي لكنه يحث ترامب على منح المبادرة مزيداً من الوقت بدل التسرع العسكري، وترامب نفسه يقول: “هناك محادثات وهم يريدون التفاوض.. لدينا وقت، بصراحة إنها حرب، لكنها ليست حرباً تقليدية”.

وحديث ترامب المتناقض وكلماته ومنها “ليست حرباً تقليدية” هي اعتراف بأنها حرب اقتصادية ونفطية وبحرية خلقت أزمة اقتصادية أصابت أمريكا في الصميم، أزمة حذّر صندوق النقد من تداعياتها وتأثيرها على العالم، قبل أن يدخل الضغط الإقليمي والابتزاز الانتخابي عاملاً جديدًا على الجبهة من خلال مواقف كل من “مصر وتركيا والعراق وباكستان والسعودية” التي تضغط لتلافي الحرب.

وهذا ما عبر عنه السفير الأمريكي في تركيا “توم برّاك”: “إذا فشلنا.. على دول المنطقة تحمل مسؤولية أمنها”، وحمل كلامه ردًّا مباشرًا على الاجتماع الرباعي، الذي جمع إيران السعودية تركيا وباكستان برسالة واضحة للأمريكي أن دول المنطقة فهمت أن المظلة الأمريكية لم تعد كافية وشبكات الدفاع الجوي استنزفت الاقتصاد ولم تحمي الأهداف؛ لذلك ذهبت دول المنطقة لتشتري أمنها مباشرة في طهران وتوقع اتفاقية مكة للدفاع المشترك.

إلا أن التسريبات الأمريكية لم تنتهي؛ فأخطر ما قاله مسؤول أمريكي إن ترامب قد يكون أكثر ميلاً لعملية عسكرية واسعة إذا خسر الجمهوريون الانتخابات، وشعر بالإحراج أو فقد نفوذه فقد يقدم على خطوة جريئة، هذا ما ينقله الجميع إلى الإيرانيين وأفضل فرصة أمامهم للتوصل إلى اتفاق هي الآن.

كلام فيه ابتزاز واضح أن وقعوا الآن قبل أن يخسر ترامب ويصبح أكثر تطرفاً بينما البيت الأبيض ينفي رسمياً أن تكون الانتخابات عاملاً ويبقى سيناريو الكارثة حاضرًا إذا فشلت الدبلوماسية دمار واسع ليس في إيران فقط بل في دول الخليج وأزمة طاقة عالمية؛ فأي هجوم أمريكي سيكون بالتنسيق مع (إسرائيل)، طهران سوف ترد بضربات صاروخية مزلزلة بحرب وجودية أعدت لها واستعدت ما يضع المنطقة بلحظة صعبة:

الدوحة التي يقودها “فانس وبيسنت” صفقة مصالح ضمانات نووية أبدية مقابل رفع حصار وعودة نفط وخفض بنزين، وخطة الكيان التي يقودها “هيغسيث روبيو ونتنياهو” ضربة واسعة لإضعاف النظام، وقطر تحاول أن تربطهما بخطوات متبادلة خلال أيام توقف الحرب ويكون العالم، أمام نظام إقليمي جديد أمنه مسؤولية دوله أو أن تكتفي الوساطة؛ بأن توقف الحرب بصفقة أمريكية تؤجل الحرب، أو تبدل توقيتها وتنقلها.

* كاتب وباحث وخبير شؤون الشرق والعلاقات الدولية