نحن قادمون في عام جديد: قراءة في قيادة صنعت التحوّل وغيّرت ميزان المعركة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالخالق دعبوش

 

حين تتقدّم الوقائع وتنكشف حقيقة القيادة في الصراعات الكبرى، لا تُحسم المعارك بالصوت الأعلى ولا بالشعارات الأكثر صخبًا، بل بالعقل الذي يعرفُ كيف يحوّلُ الضغطَ إلى فرصة، والزمن إلى ورقة قوة.

ومن يقرأ المشهد اليمني بعيدًا عن الضجيج، يرى بوضوح أن ما جرى لم يكن سلسلة ردود فعل، بل مسارًا واحدًا أُدير بوعي وتدرّج وصبر.

 

كسر المحرمات والبناء التراكمي

خلال سنوات المواجهة مع قوى العدوان، لم يكن التغييرُ وليدَ اندفاع أَو مغامرة، بل نتيجة إدارة دقيقة للقدرات والخيارات.

خطوطٌ كانت تُعدّ محرَّمةً كُسرت، ومساحات اعتُبرت آمنة خرجت من دائرة الاطمئنان.

لم يحدُثْ ذلك بخطابات أَو تهديدات، بل بقراءة متأنية لموازين القوة، وبناء تراكمي جعل العدوَّ يُعيدُ حساباتِه مرة بعد أُخرى.

 

القيادة الحكيمة: فن إدارة الأوراق

في قلب هذا المسار، يبرز السيد القائد (حفظه الله) بوصفه قيادة تعرف متى تتقدّم ومتى تصبر ومتى تتحدث؛ لا تستهلك أوراقها دفعة واحدة، ولا تتعامل مع الزمن كعدو، بل كحليف.

كُـلّ مرحلة كانت اختبارا حقيقيًّا، وكل اختبار رفع اليمن إلى مستوى أعلى من التأثير، حتى لم يعد الحصار نهاية، ولا الجغرافيا سقفًا.

الذين راهنوا على إنهاك اليمن اكتشفوا أن الكلفةَ تتصاعد عليهم أكثر مما تتصاعد علينا.

تصريحاتُهم لم تعد تطمئنهم، ولا حملاتهم الإعلامية أخفت ارتباكهم؛ لأن الوقائعَ كانت تتقدّمُ بهدوء وتفرض نفسها في الحسابات السياسية والعسكرية معًا.

وحين بدأ الحديثُ عن حلول ومفاوضات قبل سنوات، لم يكن ذلك من فراغ؛ فالتاريخُ يقول إن البحثَ عن المخارج يبدأ عندما يصبح الاستمرار أثقل من التراجع.

وهنا تتجلّى قيمة وعظمة القيادة التي تعرف متى تضغط ومتى تترك للأعداء مساحةً لمراجعة قراراتهم، من موقع قوة لا من موقع ضعف.

 

اليمن الجديد: ضغط الاحتمال الدائم

اليمن اليوم ليس كما كان في بداية العدوان، لا في نظر أعدائه ولا في حسابات الإقليم.

ما تغيّر فعليًّا ليس فقط ميزان القوة، بل طريقة إدارتها.

وهذا هو جوهرُ المعركة الذي يغفلُه كثيرون: الانتصار الحقيقي ليس في الضربة وحدَها، بل في جعل الخصم يعيشُ تحتَ ضغط الاحتمال الدائم.

وفي هذا السياق، تكفي كلمةٌ واحدةٌ يقولُها السيدُ القائد لتصلَ إلى الميدان قبل أن تصلَ إلى المِنصات؛ كلمةٌ خبرها الأعداءُ في الأعوام الماضية، وعرفوا أن قائلَها رجلُ فعل لا رجلُ خطاب.

ليست خطابات، بل عناوين مراحل تُرجمت أفعالًا على الأرض.

واليوم، حين تعودُ تلك الكلمة بمعناها الواضح: “نحن قادمون في عام جديد”، فإنها لا تُقاسُ بما تُحدِثُه من صدىً إعلامي، بل بما تزرعُه من ارتباك في غرف القرار، وبحجم التحوُّلات التي تفرضُها الوقائِعُ نفسُها.. وتلك، في منطق السياسة والصراع، أبلغ من أي تصريح، وأقسى من أي تهديد مباشر.