الحق والجهاد وصمود اليمن في مواجهة الهيمنة
البيضاء نت | مقالات
بقلم / شاهر أحمد عمير
في مرحلة تاريخية تتكشّف فيها الأقنعة، وتختلط فيها المفاهيم، وتُدار فيها الشؤون العامة بعيدًا عن ميزان العدل، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمبدأ الحق بوصفه الأَسَاس الجوهري للمسؤولية العامة.
فالحق ليس رأيًا خاضعًا للمزاج، ولا خيارًا انتقائيًّا تُحدّده المصالح الآنية، بل هو العنوان الذي تُبنى عليه المسؤوليات، والميزان الذي تُقاس به القرارات والمواقف.
وأي انحراف عن هذا المبدأ يفتح الباب أمام الظلم، ويؤسس للفوضى، ويحوّل السلطة من أمانة إلى أدَاة قهر.
إن أخطر ما تواجهه الأمم اليوم لا يقتصر على العدوان الخارجي، بل يتمثّل في تفريغ مفهوم المسؤولية من مضمونه الأخلاقي، وفصل الفعل السياسي عن الحق، وتحويل إدارة الشأن العام إلى ساحة للأهواء والرغبات الشخصية.
وحين يغيب الحق، تصبح المظالم أمرًا طبيعيًّا، وتتحوّل المفاسد إلى واقعٍ مُبرّر، وتفقد المجتمعات قدرتها على الصمود والمواجهة.
الجهاد كضرورة أخلاقية ومعركة وعي
ومن هذا المنطلق، يأتي مفهوم الجهاد في سبيل الله بوصفه ضرورة أخلاقية وتاريخية، لا؛ باعتبَاره فعلًا منفصلًا عن القيم، بل؛ باعتبَاره جهادًا لحماية الحق، والدفاع عن الكرامة، وصون الإنسان من الخضوع والاستلاب.
فالجهاد في جوهره ليس اندفاعًا أعمى، بل موقف واعٍ في مواجهة الظلم، وجهادٌ للوعي في وجه التضليل، وجهادٌ للصبر والثبات في زمن تُمارَس فيه الهيمنة بأدوات عسكرية واقتصادية وثقافية.
وفي ظل الغطرسة الأمريكية وكَيان الاحتلال، وما يرافقها من محاولات لإخضاع شعوب المنطقة، يصبح الجهاد بمعناه الشامل طريق النجاة والفلاح للأُمَّـة الإسلامية والعربية؛ لأنه يعيد للإنسان ثقته بنفسه، ويمنح الشعوب القدرة على المقاومة، لا بوهم القوة، بل بوعي الحق وعدالة القضية.
النموذج اليمني: التولي والقيادة
وفي هذا السياق، تبرز تجربة اليمن كنموذج حيّ للصمود المرتكز على المبدأ.
فاليمن، حين تمسّك بكتاب الله، واختار التولّي لقيادة حكيمة من آل البيت -عليهم السلام-، وسلّم قيادته وقراره للسيد القائد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي -حفظه الله-، لم يخض مواجهة عسكرية فحسب، بل خاض معركة وعي وإرادَة؛ معركة أعادت تعريف القوة، وربطت الجهاد بالثقافة القرآنية، وربطت الصمود بالمسؤولية الإيمانية.
لقد واجه اليمن عدوانًا واسعًا شاركت فيه قوى إقليمية ودولية، وعلى رأسها أمريكا وكَيان الاحتلال، إلى جانب عدوان سعوديّ إماراتي أمريكي استمر تسع سنوات، استُخدمت فيه كُـلّ أدوات الحرب: التدمير الشامل للبنية التحتية، الاستهداف المباشر لمقدرات الشعب، والحصار الخانق برًّا وبحرًا وجوًّا، في محاولة لكسر الإرادَة وإخضاع الشعب اليمني.
غير أن هذا العدوان فشل في تحقيق أهدافه؛ لأن الشعب اليمني لم يكن أعزل من الوعي، ولا مفصولًا عن قضيته.
الثبات والوعد الإلهي
لقد أثبت اليمن أن الجهاد حين يكون مرتبطًا بكتاب الله، ومسنودًا بقيادة واعية، ومؤطّرًا بثقافة قرآنية، يتحوّل إلى قوة صمود حقيقية.
فالشعب اليمني لم يصمد لأنه لم يتألم، بل لأنه فهم معنى الألم، وحوّل المعاناة إلى وعي، والحصار إلى إرادَة، والعدوان إلى محطة تاريخية أعادت تشكيل وعيه وموقعه في معادلة الأُمَّــة.
وفي خضم هذا الصراع، تبقى العلاقة بالله هي الركيزة الأعمق للثبات.
فالإيمان هو الذي يمنح الإنسان القدرة على مواجهة الموت دون غفلة، وعلى تحمّل الطريق دون انكسار، وعلى استحضار وعد الله في أحلك الظروف: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾؛ وعدٌ لا يُقاس بزمن المعركة، بل بصدق الصبر وعدالة القضية.
الخلاصة: إن الجهاد الحقيقي هو جهاد بناء الإنسان، وتحصين الوعي، وربط القوة بالحق، وربط الصبر بالأمل.
وكما تعصر الشمس نفسها حتى آخر قطرة لتمنح النور للنوافذ الجائعة، كذلك تفعل الشعوب الحيّة حين تقدّم تضحياتها دفاعًا عن الحق، لتبقي شعلة الأمل متقدة في عالمٍ مثقل بالظلام.
فالنور قد يتأخر، لكنّه لا يغيب، والحق قد يُحاصَر، لكنه لا يُهزم، لأن وعد الله حق، ولأن طريق الجهاد المرتبط بالحق هو في النهاية طريق النجاة والفلاح.