من كسر الهيمنة إلى فرض المعادلات.. كيف تحوّل هروب المارينز من صنعاء إلى نقطة انعطاف في تاريخ اليمن الحديث؟
البيضاء نت | تقرير
في الحادي عشر من فبراير عام 2015، كان العالم على موعد مع مشهد تاريخي من العاصمة صنعاء، حيث أُجبرت قوات المارينز الأمريكية على الخروج من البلاد تحت وطأة الهزيمة العسكرية والسياسية، في لحظةٍ مثّلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ اليمن والمنطقة.
ما كانت تلك اللحظة مجرد انسحاب لقوات أجنبية، بل كانت انعكاسًا لصعود إرادة الشعب اليمني في استعادة سيادته وقرارته المستقلة، وتأكيدًا على قدرة اليمنيين في مواجهة التدخلات الأجنبية.
كان هذا الانسحاب بمثابة ضربة قاصمة للهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود على البلاد، ليؤرخ لهذا اليوم كنقطة تحول فارقة في صراع طويل بين القوى الكبرى ومقاومة الشعب اليمني.
الهروب المذل والمشهد الميداني في 11 فبراير 2015
في الحادي عشر من فبراير 2015، غادر ما يقرب من 40 ضابطًا من المارينز الأمريكيين صنعاء، بعد أن أُجبروا على الانسحاب تحت ظروف بالغة الإذلال.
لم يكن هذا الخروج مجرد فشل عسكري، بل كان هروبًا مشوهًا لكبرياء القوة العظمى، في ظل احتدام الثورة اليمنية ووعي الشعب المتزايد.
وبحسب المصادر المحلية والدولية، فقد غادر الضباط الأمريكيون بعد أن تحطمت أسلحتهم ومعداتهم العسكرية بشكل رمزي، على أمل أن يحاولوا إخفاء آثار تدخلاتهم العسكرية الطويلة في اليمن.
بل اضطر الأمريكيون إلى إحراق الوثائق والمستندات التي جمعوها من أجل تنفيذ أجنداتهم على مدى سنوات طويلة.
ولم يكن هذا المشهد، الذي صور في ذلك الوقت كخروج مذل، نتيجة لمفاوضات أو تنازلات سياسية كما كانت تحاول بعض الأطراف تصويره، بل كان تجسيدًا لحالة من الوعي الشعبي المتصاعد الذي تمكن من تجاوز الهيمنة الأمريكية المفروضة على البلاد.
فقد شكلت هذه اللحظة علامة فارقة بين زمن من الخضوع والهيمنة الأمريكية، وزمن جديد من الاستقلال والمقاومة.
في ذلك اليوم، استطاع اليمنيون أن يثبتوا للعالم أن إرادتهم لا يمكن كسرها، وأن هيمنتهم السياسية قد بدأت بالانفلات من قبضة القوى الكبرى.
ثورة 21 سبتمبر وانتهاء الوصاية الأمريكية
وفي ضوء هذا الحدث، لا بد من التذكير بأن 11 فبراير 2015 لم يكن البداية، بل كان تتويجًا لعملية طويلة بدأها اليمنيون في 21 سبتمبر 2014، مع انطلاق ثورة 21 سبتمبر، التي كانت بمثابة إعلان عن نهاية الوصاية الأمريكية على القرار اليمني.
ففي تلك اللحظة، خرجت الجموع الشعبية في اليمن مطالبة بالحرية والسيادة، رافضة تدخلات الخارج وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت تستحوذ على معظم مفاصل الدولة.
هذه الثورة كانت تستند إلى توجه جماعي يمني يرفض الهيمنة الخارجية ويدافع عن استقلال البلاد في مختلف المجالات، السياسية والعسكرية والاقتصادية.
كما أن 11 فبراير 2015 قدّم صورة حية للنتيجة الفعلية لهذه الثورة، حيث أُجبر السفير الأمريكي ماثيو تولب على مغادرة العاصمة صنعاء تحت الحماية العسكرية.
وقد شكلت هذه اللحظة بداية انهيار الهيمنة الأمريكية في البلاد، وفتحَت الطريق أمام سياسة جديدة تقوم على الاستقلال الوطني واستعادة الكرامة.
التحولات الاستراتيجية في المنطقة
ولم يكن 11 فبراير مجرد حدث محلي في تاريخ اليمن، بل كان نقطة محورية في صراع طويل على مستوى المنطقة.
بعد هذا الانسحاب المذل، أظهرت الثورة اليمنية قدرتها على تغيير معادلات القوى في المنطقة.
ومن خلال تطوير قدراتها العسكرية بشكل كبير، أصبح اليمن لاعبًا رئيسيًا في معادلات الردع الإقليمي.
ففي السنوات التي تلت هذا الحدث، أظهرت القوات المسلحة اليمنية تقدمًا كبيرًا في تطوير تقنيات الحرب الحديثة، سواء من خلال الطائرات المسيّرة أو الصواريخ الباليستية أو القدرة على تنفيذ عمليات هجومية على مستوى البحر الأحمر.
هذا التحول الاستراتيجي جعل اليمن قوة عسكرية فاعلة، وأعطى شعوب المنطقة إشارة قوية أن التدخلات العسكرية من قبل القوى الكبرى باتت تواجه تحديات كبيرة في مواجهة الإرادة الوطنية للشعوب المستقلة.
وعلى سبيل المثال، في البحر الأحمر وباب المندب، تمكّنت القوات اليمنية من ردع الأساطيل الأمريكية المتمركزة في المنطقة.
فقد أُجبرت خمس حاملات طائرات أمريكية على التراجع بعد أن فشلت الولايات المتحدة في مواجهة القدرات العسكرية اليمنية المتطورة.
ولم يكن ذلك مجرد رد فعل يمني على التدخلات العسكرية، بل كان تحولا استراتيجيًا في صراع طويل بين القوى الإقليمية والعالمية على طرق التجارة الدولية والممرات البحرية الحيوية.
اليمن: القوة الاستراتيجية الجديدة في المنطقة
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن على ثورة 21 سبتمبر، أصبح اليمن عنصرًا فاعلًا في السياسة الإقليمية والدولية، حيث تحول من دولة مهمشة تحت الوصاية الأمريكية إلى دولة قادرة على فرض معادلات ردع جديدة في المنطقة.
أثبت اليمنيون أنهم قادرون على مواجهة أعتى الجيوش في العالم، وأن إرادتهم الصلبة كانت العامل الرئيس في تحقيق هذا التغيير الجذري.
مواقف اليمن في مواجهة الحصار، وتطوير قدراته العسكرية، وبناء تحالفات استراتيجية جديدة، كل ذلك يدل على تحول تاريخي في توازنات القوى الإقليمية والدولية.
اليمن اليوم ليس فقط نقطة استراتيجية في البحر الأحمر، بل أصبح مركزًا مهمًا في مواجهة الهيمنة الأمريكية على الممرات البحرية، التي كانت تشكل جزءًا كبيرًا من المخططات الأمريكية للهيمنة على المنطقة.
لقد وضع اليمن من خلال قدراته الصاروخية والجوية والبحرية معادلات جديدة للردع، وأصبح الحامي الأول للبحر الأحمر وباب المندب، مما جعل الولايات المتحدة وحلفاءها في وضع الدفاع، بعد أن كانت هي القوة المسيطرة على تلك المياه لعقود.
وفي هذا السياق، تتأكد لنا حقيقة أن ما كان يظن البعض أنه مجرد “هروب” عسكري أمريكي، هو في الواقع تحول استراتيجي غير مسبوق.
ختاماً
ما حدث في 11 فبراير 2015 لم يكن مجرد هزيمة عسكرية للقوات الأمريكية في اليمن، بل كان بداية مرحلة جديدة من التحرر السياسي والعسكري في المنطقة.
إن الحادي عشر من فبراير ليس مجرد تاريخ يمني، بل هو تاريخٌ يخص جميع الشعوب التي تسعى للحرية والكرامة.
فقد أثبت اليمن بهذا الحدث أن بإمكان الشعوب الدفاع عن استقلالها، وتغيير معادلات القوى في العالم، حتى في وجه أكبر القوى العسكرية.
ولا شك أن اليمن، بعد هذا الانتصار الكبير، قد فتح بابًا جديدًا للحرية والسيادة، وأصبح ركيزة أساسية في صراع جديد على الساحة الإقليمية والدولية.
نقلاً عن موقع يمانيون