الخروج الأمريكي المذل من اليمن: تجربة ملهمة
البيضاء نت | مقالات
بقلم / علي ظافر
على نحو خجول يحيي اليمنيون ذكرى الحادي عشر من فبراير من كلّ عام وعلى مدى قرابة عشر سنوات تقريباً بتجمّع لعشرات أو مئات اليمنيين أمام مقر السفارة الأميركية (سابقاً) في العاصمة صنعاء، ونحن هنا لا نقلّل من هذا الجهد المبارك لكنّ الملحوظ أنّ الإحياء بالطريقة المعتادة العادية تبدو وكأنها لإسقاط الواجب ولمجرّد التذكير بما حصل، مع أنّ الحدث المرتبط بذلك التاريخ يمثّل نقطة تحوّل ومحطة فارقة ليس لصنعاء وحدها بل في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، ذلك أنّ الذكرى ارتبطت بواحد من أكبر الانتكاسات للاستخبارات الأميركية في المنطقة وربما في العالم وأنهت ترتيبات أميركية لسنوات وعقود.
في الـ 11 من شباط/فبراير وتحديداً في العام 2015 أجبرت السفارة الأميركية على إغلاق أبوابها، وأجبر السفير الأميركي حينها “ماثيو تولر” وعشرات ضباط المارينز والسي آي إيه على “الهروب المذلّ من العاصمة صنعاء في وضح النهار تحت ضغط مدّ الثورة اليمنية في الـ 21 من أيلول/سبتمبر، من دون رصاص ومن دون أن تسيل قطرة دم، بل وحتى من دون “مفاوضات أو تنازلات أو مساومات في السيادة والكرامة والحرية”، وهذا ما أكّده السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في بيان بالمناسبة يوم الأربعاء الماضي، في دلالة على أهمية ذلك الحدث الذي وصفه السيد عبد الملك بـ “الانتصار التاريخي”.
الوعي… حين يزلزل “الوصاية”
ويكتسب هذا الحدث التاريخي والمفصلي أهمية، من السياق الذي جاء فيه أولاً، وفاعلية الوعي في إحداث زلزال سياسي واستخباراتي من هذا النوع، ضدّ دولة عظمى تتربّع على عرش النظام الدولي، كما أنّ الحدث يكاد يكون الأول من نوعه أقلّه على مستوى الدول العربية قاطبة والإسلامية إذا ما استثنينا الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأفغانستان.
من ناحية السياق فقد جاء الحدث في أوج قوة الولايات المتحدة الأميركية، وبعد جهود بذلتها على مدى عقدين من الزمن وأكثر على المستوى اليمني، سياسياً وعسكرياً واستخباراتياً واقتصادياً… إلخ، إلى حدّ أنّ السفير والسفارة كانت تتدخّل في كلّ التفاصيل وكلّ مفاصل الدولة، فكان السفير الأميركي بمثابة المندوب السامي في البلاد، بل كان يوصف بـ “رئيس الرؤساء والمرؤوسين والمسؤولين” و”شيخ المشايخ”.
قبل هذه المحطة المفصلية تدخّل الأميركيون في تدمير القدرات العسكرية اليمنية، وتحديداً “صواريخ الدفاع الجوي”، وبنت واشنطن ربما أكبر محطاتها الاستخباراتية على مستوى المنطقة، واستجلبت من العدة والعتاد العسكري ما لا يمكن تصوّره إلى مقرّ سفارتها في أحد أحياء سعوان بالعاصمة صنعاء، وكانت طائرات الشحن العسكري تحطّ متى تشاء وتحمل ما تشاء وتمرّ ومن عليها من دون تفتيش في مطار صنعاء الدولي، بل ومن دون أن تجرؤ السلطات المتعاقبة على السؤال والمساءلة!
في تلك المرحلة، تصاعدت وتيرة الاغتيالات والانفلات الأمني، توالت حوادث تساقط الطائرات الروسية التي بحوزة الجيش اليمني، تمّت إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في مرحلة ما بعد ثورة الـ11 من فبراير 2011، تمّ تفكيك صواريخ اليمن الاستراتيجية روسية الصنع وتفريغها من الوقود، بل إنّ بعض السفراء الأميركيين في اليمن أبرزهم “إدموند هول” نزل إلى بعض الأسواق الشعبية لسحب السلاح من “سوق الطلح” في محافظة صعدة وتقريباً سوق “جَحَانة” في خولان الطيال بمحافظة صنعاء، وكان يدخل برفقة ضباط وخبراء إلى مخازن وزارة الدفاع لمنعها من امتلاك نوعيات معيّنة من السلاح التكتيكي والاستراتيجي، وهناك وثائق نشرت في هذا الصدد للاطلاع على مزيد من التفاصيل والشهادات.
قبل ذلك وبعده وأثناءه عملت السفارة الأميركية على تفريخ شبكات التجسس وغرسها في كلّ مفاصل الدولة من البنك المركزي إلى القطاعين الزراعي والتنموي، إلى القطاع التعليمي، بل تدخّلت على مستوى إعادة صياغة المناهج، والتحكّم في الخطاب الإعلامي والثقافي إلى حدّ أنّ بعض “خطب الجمعة” كانت تصاغ من السفارة الأميركية قبل أن يلقيها الخطباء والمرشدون على منابر المساجد. ضمن هذا السياق علمت من بعض الزملاء في إذاعة صنعاء أنّ نائب البعثة الأميركية في صنعاء في العام 2003 ذهب شخصياً وبموكب من السيارات إلى إذاعة صنعاء – من دون التنسيق مع وزارة الإعلام والسلطات في حينها – وخاطب القائمين على الإذاعة مباشرة وقام بتوجيههم بعدم استخدام “مصطلح الاحتلال الأميركي” أو “الغزو الأميركي” إبّان الغزو والاحتلال الأميركي للعراق، وإلزامهم بخطاب إعلامي يتناسب مع المصلحة الأميركية، إلى هذا الحدّ من الاستلاب وصلت اليمن.
على المستوى السياسي كانت السفارة الأميركية والسفراء الأميركيون هم الحاكم الفعلي واللاعب الرئيس في كلّ تفاصيل المشهد، إلى حدّ التدخّل في التعيينات وإصدار القرارات وفرض الوصاية على كلّ مفاصل الدولة – إن صحّ أن يقال عنها دولة – بل تكشف المعلومات أنه كانت هناك أبواب خاصة يعبر من خلالها السفير الأميركي إلى أبرز مؤسسات السلطة التنفيذية.
وبناء على ما سبق لم يكن “جلاء المارينز الأميركي” حدثاً عابراً وعادياً، بل كان “انتصاراً تاريخياً” كما وصفه السيد عبد الملك في بيان الأربعاء، لأنّ ذلك الخروج المذلّ وما سبقه من تخلّص من الوثائق السرية والاستخباراتية، وتحطيم الأسلحة والأجهزة على أيدي الأميركيين أنفسهم مثّل، والحديث هنا للسيد القائد، “نهاية لسيطرتهم المباشرة على مركز البلاد السياسي والإداري التي استغلوها لفرض سياساتهم وتنفيذ مؤامراتهم ضدّ الشعب اليمني من وسط عاصمته وبإخضاع كبار المسؤولين في السلطة، فكان السفير الأميركي في صنعاء صاحب الكلمة والقرار الأول على كلّ مسؤولي البلاد”.
إنّ الخروج المذلّ للمارينز الأميركي والسفير من العاصمة صنعاء، ما كان ليحصل لولا ثورة الشعب ونهضته ورفضه للوصاية الخارجية، ما يعني أنّ ذلك الخروج المذلّ ثمرة من أبرز ثمار ثورة الحادي والعشرين من أيلول/سبتمبر 2014 السلمية الحضارية، وكان وعي الثوّار حينها هو الكفيل بإفشال كلّ المحاولات الأميركية لإفشال الثورة وإحباط مسارها، فلما وصل الأميركي إلى حالة الإحباط واليأس لم يكن أمامه من خيار سوى الرحيل المذلّ، بعد تسجيل أكبر نكسة استخباراتية في تاريخ المخابرات الأميركية، فما بني خلال سنوات انهار وتمّ التخلّص منه في لحظات لم تكن عابرة بل عبرة عبر الزمن لكلّ من يريد التحرّر والنهوض على مستوى منطقتنا والعالم.
لحظة تاريخية كانت نقطة الوصل بين الخروج المذلّ وحقبة المواجهة المباشرة وغير المباشرة، ولم يكن العدوان الأميركي السعودي الذي بدأ على اليمن في الـ 26 من آذار/مارس 2015 (أي بعد شهر وبضعة أيام من الهروب المذلّ)، واستمر لقرابة 10 سنوات ولا يزال بمعزل عن الرغبة الأميركية الانتقامية من اليمنيين لإحباط مسارهم وثورتهم التحرّرية، ولم تكن السعودية في ذلك العدوان سوى أداة لتنفيذ وتمويل العدوان بعد أن نجح الأميركي في إيهامها بـ “مخاطر وهمية ومصطنعة على أمنها القومي”، وحين فشلت الرياض في تحقيق ذلك الهدف اضطرت أميركا للتدخّل العسكري المباشر على اليمن في جولتين توّجتا بالفشل، وانتهتا بانسحاب مذلّ لحاملات الطائرات الأميركية بنسخة جديدة.
صحيح أنّ مسار التحرّر يحتاج إلى تضحية وكلفة، لكنّ كلفته أقلّ بكثير من كلفة الذلّ والارتهان والوصاية، وهذا ما يؤمن به اليمنيون ومن تجربتهم يقدّمون دروساً عملية ملهمة لشعوب أمتنا، تمنحهم الأمل في واقع مليء بالحروب والأزمات ومحاولات والتيئيس الأميركية والإسرائيلية وحتى من بعض الأنظمة العربية بأنّ: التحرّر ممكن!.