من البرنامج الرمضاني.. ملزمة سَلْسِلَة دُرُوسٍ رَمَضَانَ (الدَّرْسُ النَّاسِع) سورة البقرة مِنَ الآيَةِ 185 إِلَى الْآيَةِ 214 (الليلة السادس عشر)
البيضاء نت | من هدى القرآن الكريم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}(البقرة: 208). الدخول في الإسلام، التسليم لله، التسليم لله كافة. هنا لاحظ النماذج التي قدمت لمن يكونون مُسَلِّمِين لله، أو غير مُسَلِّمين لله. فالتسليم لله، الإسلام لله، هو السلام الحقيقي لعباد الله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}(البقرة: 208) ليس معناه: ادخلوا في السلام الذي يدعوكم إليه الآخرون.. سلام أمريكي، ثم يأتي من يقول لنا: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}(البقرة: 208) هذا التسليم لله، وما هو سلام حقيقي، وهو القائم على التسليم لله، هذا الإسلام. أليس الله سمى دينه الإسلام؟ هي كلها مشتقة من عبارة تسليم، والتسليم في الأخير سلام، ألم يسم الجنة دار السلام. فالسلام الحقيقي يأتي نتيجة وثمرة من ثمار التسليم الحقيقي لله سبحانه وتعالى، لأن الله هو السلام، وسمى دينه: الإسلام، وسمى الجنة: دار السلام.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}(البقرة: 208) وأنتم ستجدون سلماً من النوعية هذه الأخرى، المخادعة. الإنسان بحاجة إلى أن يكون في موقف، يسلم من التضليل، يسلم من الخداع. لأنه إذا مشى التضليل عليك، ومشى الخداع عليك، تصبح أنت ضحيته، يصبح المجتمع الذي هو قابل للتضليل، وقابل للخداع، يصبح هو ضحية.
إذاً فدين الله، وهدى الله، هو سلامة للناس من التضليل ومن الخداع، ومن كل ما يجعلهم في الأخير ضحية، وضحية ما لها قيمة، ضحية يكون بعدها جهنم، خسارة في الدنيا، وخسارة في الآخرة.
{وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(البقرة: 208) كل ما قد يصل بك إلى أن تتأثر بالنوعية هذه المخادعة، المضللة، هي كلها من وساوس الشيطان، وخطواته تنبهر بخطاباته البراقة، تنبهر بوعوده البراقة، تنبهر بقوة معينة هو عليها، وعندك أنه هو الذي يشكل هو سلام.
الآن لو يأتي عرض عسكري في أي بلد عربي، هل يوجد أحد من الناس ربما قد يعجب به، ويعتبر أن هؤلاء ناس يستطيعون أن يعملوا كذا؟، الآن افتضحوا بعد قضية العراق، وعندما وجدناهم هم يتسابقون إلى ود أمريكا وإسرائيل، معناه أن الجيوش التي لديهم، والقوة التي لديهم أصبحت لا تشكل شيئاً، لا تعد تشكل حماية، قد يكون العراقيون مثلاً ربما كانوا سابقاً عندما تعرض صواريخ أنتجها العراق، يعتبرون أنفسهم جيشاً قوياً يظهر بعروض عسكرية، يتركز شعر الواحد منهم وعنده أن هؤلاء سيستطيعون أن يصدوا أي قوة تهاجمهم، وفي الأخير كيف كانت؟ لا شيء في الأخير، شكلت لا شيء، تهاوى الجيش، وتهاوت القوة، ودمرها العدو قبل الدخول في الحرب.
إذاً لا تتبعوا خطوات الشيطان فهو عدو مبين، هو لا يوجهك أبداً إلا حيث يكون فيه هلاكك، قد يوجهك إلى أن تعجب بطرف معين لأن في إعجابك به، ينفق تضليله عليك، تكون في الأخير ضحية. لاحظ كيف كان قصة موسى، وفرعون قصة عجيبة، وجذابة جداً، وبين في الأخير كيف كانت النتيجة عندما استطاع فرعون أنه يخدع قومه بمظاهر الملك، والأساور. الذهب، وبالنيل كأنه هو الذي صنعه، وموسى يبدو إنساناً فقيراً معه عصا، قد يكون عنده أن هذا لا يمكن يشكل شيئاً، موسى لا يمكن يشكل للأمة سلامة، أو يهديها سبيل الرشاد، ولكن فرعون عندما قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}(غافر: 29).
أليس هذا كلام من هذا النوع الجذاب؟ يلاحظون شكليات معينة هو عليها، وعندهم (هذا الذي يهدينا سبيل الرشاد، أما ذلك، موسى لا يستطيع يعمل شيئاً، هو فقير ليس معه إلا عصا!)، وفي الأخير كيف كانت النتيجة؟ ألم يصل موسى بقومه، ومن ساروا معه إلى أن يهتدوا، فينجو؟. ينشق لهم البحر. ويخرجون، وفرعون وصل وأوصل قومه إلى أعماق البحر يغرقون في البحر.
ولهذا قال الله فيما بعد: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى}(طـه:79) لماذا انخدعوا بأساور من ذهب؟ ماذا سيعمل لي أن معه سوار في معصمه ذهب براق؟، هذا سيهديني سبيل الرشاد؟ أو أن معه كرسياً ومطعماً بالأحجار، وبالفصوص، وبالأشياء الجميلة، ومزخرفاً، هذا الذي سيهدينا سبيل الرشاد؟،.
أحياناً تكون العروض العسكرية قد تعتقد بأن هذا الجيش يمكن أن يشكل حماية للأمة، ترى صواريخ تعرض، ترى دبابات، لكن في الواقع كشف، وهذا من النعمة علينا حتى يعرف الناس: أنه يجب أن يعتمدوا على الله، ويعدوا هم ما يستطيعون من قوة، يتجهون هم، الجيوش لم تعد تشكل محط أمل حتى عند الحاكمين أنفسهم!، الشيطان أحيانا، والشياطين قد يجعلون شعرك يتركز وأنت تشاهد عروضاً معينة، أو تشاهد خطاباً معيناً، أو تشاهد أشياء من هذه تقول: [هذا والله الذي هو أسد الله سيهزم أبوهم هؤلاء لاحظ ماذا معهم؟] عندما يرى صواريخ من تلك فوق ناقلة أو نحوه.
{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة:209) أليس هنا ينهى الناس وينبههم: لا تتبعوا خطوات الشيطان، ادخلوا في السلم كافة، فيما يشكل سلامة لكم من هؤلاء الذين هم مخادعون، ومضللون، وفي نفس الوقت متى ما اتجهوا عملياً يفسدون في الأرض، يسعى معناه: يتحرك، يتحرك بقوة ليفسد في الأرض، فالسعي: هو الحركة التي تكون زيادة على الحركة الطبيعية.
{فَإِنْ زَلَلْتُمْ} سمى إتباع خطوات الشيطان ليس معناه: خطوات رزينة، وخطوات ثابتة، معناها: انزلاقه. أحياناً قد تسير على طريق تعتبر خطواتك فيها خطوات ثابتة. أليس في الأدعية: وثبت أقدامنا؟ أدعية المؤمنين؟ هنا تزل قدمك، هنا خطوات الشيطان تعني: مزالق خطيرة. ليس معناه أنك ستضع قدمك مكان قدمه، وهي قدم ثابتة، بمعنى: أن الله يرسم للناس الطريق التي تكون أقدامهم ثابتة عليها، إذا كان هناك خطوات الشيطان تمثل انزلاقات، فهو يهدي الناس إلى أن تكون خطواتهم بعد خطواته ثبات، واستقامة، ولهذا قالوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(البقرة: 250). ألم يكونوا بعد شخص، بعد طالوت شخص خطاه ثابتة، تخطوا خطوات، وتكون الخطوات ثابتة، خطوات الشيطان كلها مزالق تزل قدمك.
{فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ}(البقرة: 209) البينات توضح لك أن هذه الخطى تزل قدمك إذا مشيت عليها، وهناك طريق الخطى الثابتة، تريد تكون خطاك ثابتة؟ إمش هناك {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(البقرة: 209). هو غني عنكم، ولن تعجزوه، ولن تفوتوه بعد وضوح البينات، وكثرتها. أعني: تجد الآن نحن نقرأ الآن سورة واحدة، أليست سورة واحدة من القرآن، [سورة البقرة] كم تجد فيها من زحمة هدى! كم تجد فيها من أمثلة متعددة! كم تجد فيها من أشياء كثيرة جداً! ماذا بقي بعد هذه؟.
{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ}(البقرة: 210). يعني أمر الله وعذابه. أي: يقدم هدى على أعلى مستوى، وبيان على أكمل بيان، ووضوح، وبلاغ تام، ماذا تنتظرون بعد؟ {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ من الغمام}(البقرة: 210) عذاب يأتيهم أمره {والملائكة} والملائكة يكونون أيضاً من جنود الله الذين يكون لهم دور في مسألة عذاب الأمم، {وَقُضِيَ الْأَمْرُ}(البقرة: 210). يُقضى عليهم أمره، {قضي الأمر} متى ما بدأت مؤشرات العذاب بسبب انصراف الناس عن هدى الله، اعتبر الموضوع قضي الأمر. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}(البقرة: 210).
لاحظ هذه الآية ما أهمها وكثير من الآيات في المواقف الهامة يأتي بعبارة: {إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ}(هود: 123) أو {إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}(الشورى: 53) أو {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}(البقرة: 210) هذه تعطي للإنسان دفعة بأنه يسير على هدى الله، وأن يعرف أنه ليس هناك مقابل لهدى الله، إلا أن يأتي أمر الله: العذاب، والخزي، والعقوبات. ألم يقل هناك: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}(التوبة: 24) بالنسبة لمن يقعدون عن الجهاد، وتكون أموالهم، وتجارتهم، وبيوتهم، ونساؤهم، وأولادهم أحب إليهم من الله ورسوله، {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} يعني: لم يبق بعد هذا الهدى الشامل والوضوح الذي تراه مليء برحمة الله، مليئاً بالرحمة، حقيقة، لم يبق إلا ماذا؟ الهلاك.
فيفهم الناس بأنه يجب أن يستقيموا، وأن الله هو الذي إليه ترجع الأمور، هو الذي يغير الأشياء، هو غالب على أمره، لا أحد يستطيع حتى ولا الأعداء أنهم يعملون شيئاً في الدنيا، هم على كيفهم، ويكونون مغالبين لله، لا تحصل هذه أبداً، فلا يكن مما يصرفك عن أن تسير على هدى الله، أن ترى أموراً كبيرة هناك تشكل خطورة عليك، الأمور كلها ترجع إلى الله، الله سيجعلها يوم من الأيام لا تمثل شيئاً، بل قد ترى في يوم من الأيام،
وإذا فيها أن يجعلها الله بالشكل الذي يخدم القضية التي أنت فيها. وحتى عندما تنصرف عن هدي الله سبحانه وتعالى، وعندك أنك تجد طمأنينة، ولن يحصل عليك شيء، قد صرت تتأقلم مع الجهة التي تمثل خطورة! لا. إليه ترجع الأمور، يمكن يطلع هذه الجهة التي أنت مطمئن إليها، يجعلها تشكل خطورة عليك، وتضربك هي.
من هو الآن الذي هو متجهة لضرب العرب، من؟ من كانوا يتسابقون على ودها، وصداقتها، وخدمتها: أمريكا! أليست هكذا؟ لأن عنده أنه إذا قد أصبح من الموالين لأمريكا فلا عليه خوف من أي جهة أخرى.
{وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} فممكن يجعل هذا نفسه، وهذه قد تكون من أشد أنواع العذاب، حسرة أن ترى من كنت تتسابق إلى وده، ويبدوا أنه صديق حميم، وأشياء من هذه، وأنت تصادقه من أجل تأمن من أي خطورة أخرى، وإذا به هو منبع الخطورة! لا يوجد ملجأ غيره، لا يوجد ملجأ آخر منه أمامك. {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} في الاتجاهين: من يحاول أنه يدبر نفسه، وأن يكون بعيداً عن هدي الله على أساس أنه مطمئن، يتأقلم مع جهة هي تشكل خطورة، وزالت الخطورة، لا. من يريد أن يتجه على هدي الله ويرى أموراً كبيرة أمامه وعنده، لا. {إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} يمكن هذه كلها تلك التي تراها عقبات، وجبال كبيرة، تتهاوى، تصبح لا شيء. معنى هذا: أنه تهديد، أعني: لا تعتقد أن الله يترك القضية هكذا، إما أن يسير الناس على هديه، وإلا فما بقي إلا أن ينتظروا عذابه، وعقوباته في الدنيا و في الآخرة.
{سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ}(البقرة: 211) اسألهم، وأنظر حالتهم كيف أصبحوا؟ ليتجه الناس عندما يأتي بهداه، ويهدد بأنه: إذا لم يسيروا على هداه ستأتي هذه العواقب السيئة، إذا كنت قد قرأت، ورأيت ما وصل إليه بنوا إسرائيل، وما وصلوا فيه من أشياء سيئة جداً، هناك، كان هناك آيات كثيرة، وهدى كثير تمثل نعمة.
{سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}(البقرة:211) هنا في السابق تحدث عن قضية كالقضية هذه، ثم رد ذهنيتك إلى أمة أصبح واقعها هكذا آيات بينات، {سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} لو ساروا عليها هي تمثل نعمة، لو ساروا عليها، واهتدوا بها، ثم كانوا على هذا النحو، فأصبح واقعهم على هذا النحو السيئ في حياتهم، في تاريخهم!، هذا مَثل من واقع البشر يقدمه. إذاً هذه هي سُنة إلهية: من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته، ينتظر ماذا؟ نقمة. {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
{زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(البقرة:212) هذه الأشياء التي تخدع الناس، تقدم في البداية، أن يذكر فئتين من الناس: الفئة الأولى هي هذه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:204- 205).
والفئة الثانية هي: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}(البقرة:207) هؤلاء ليس لديهم كلام براق، مخادع، كالنوعية الأولى، الذي قد تتصور نتيجة لو عوده البراقة، أن بيده مستقبل الحياة، وبيده عمارة الحياة، وبيده تحرير الشعوب، وبيده كذا، وفي الأخير تكون لا تشكل شيئاً، تجعلك تسخر من الجانب الآخر، تنشد إلى الجانب الذي لديه مظاهر، فتنخدع بمظاهره، ويصبح لقوله التضليلي، والمخادع أثر في نفسك، وأنت تنظر إلى مظاهره، تجعلك تسخر من الذين آمنوا، ترى ليس عندهم إمكانيات، ترى ليس لديهم قوة مثل الطرف الآخر، نفس قضية موسى وفرعون. فقط يسخرون منهم، لأن هذه الحالة عند الإنسان إذا لم يكن فاهماً لقضية الدنيا هذه، كيف أنه بالإمكان أن يحصل لطرف آخر أموال؟ ويحصل لديه إمكانيات أخرى، ثم انظر كيف تكون عاقبته هو؟ يكون عندك نظرة واقعية بالنسبة لمظاهر هذه الحياة، فلا تكون المظاهر نفسها بالشكل الذي يخدعك، وأنت ترى بأن تلك المظاهر هي في يد ليست يداً أمينة.
هل كان ذلك العرش الذي عليه فرعون، والأساور من ذهب، {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ}(الزخرف: 51) ألم يقل لهم هكذا؟ كان يقول لهم هكذا، خدعهم بمظاهره، زينت لدى الآخرين بمعنى: أن الطرف الآخر يحاول يقدم ما لديه من أشياء، ومظاهر، يزين لك أنت أن تنخدع بتضليله، وتسير بعده، تصبح في الأخير تسخر ممن هم في الواقع سبيل للنجاة، سبيل للهداية، وعلى أيديهم تتحقق الهداية والنجاة، {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ
اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(البقرة: 212).
حتى لو لم يحصل في معادلات الدنيا هذه، الحياة هذه أن يرى الكافرون والمؤمنين فوقهم في هذه الحياة، هنا قد يكون ولو جيل منهم، جيل منهم لا يدرك الشيء هذا، فيوم القيامة سيرونهم فوقهم مثلما قال في آية أخرى، ألم يذكر عن المؤمنين أنهم: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(المطففين:34- 36) قد تكون هذه النفسية هي نفسية عند الطغاة أنفسهم، عند الكافرين بالله، يكونون هم يزين لديهم ما هم عليه، ويدفعهم إلى السخرية من المؤمنين، فتكون مظاهر حياتهم بالشكل الذي تحول بينهم وبين أن يهتدوا، فتكون النتيجة لهم خسارة في الدنيا وخسارة في الآخرة.
قد يرون الذين آمنوا فوقهم في الدنيا، وإذا لم يحصل لدى البعض منهم ففي القيامة، في الموقف الخطير جداً، والحرج جداً، لأن مواقف الآخرة أشد من مواقف الدنيا، لأنها مواقف حاسمة، ومتفاوتة جداً، {وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}(الإسراء: 21) في الاتجاهين. فسخريتهم من الذين آمنوا، تجعلهم لا يقبلون أن يهتدوا في الأخير، بأن هذه من الآثار السلبية لمظاهر الحياة عند فئة من الناس هم على هذا النحو، هي تحجبهم عن الهداية، لأنه قد ألف في نفسه أن يقيم كل شيء على أساس الزخرفة والمظاهر، إذا ما عندك مظاهر حياة كمثله، ولهذا فرعون لم يرض أن يستجيب لموسى، هل رضي أن يؤمن؟ {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}(الزخرف:52) أليست مظاهر الحياة لديه صرفته عن أن يستجيب لموسى؟ لأنه يلاحظ أنه لا يملك شيئاً، {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}، يقول لقومه {أَمْ أَنَا خَيْرٌ}.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
دروس من هدي القرآن الكريم
من ((ملزمة سَلْسِلَة دُرُوسٍ رَمَضَانَ ( الدَّرْسُ النَّاسِع )سورة البقرة مِنَ الآيَةِ (185) إِلَى الْآيَةِ (214).))
ألقاها السيد/حسين بدرالدين الحوثي
الموافق: ٢٠٠٣/١١/٣ م
اليمن-صعدة