حين تجتمع الأُمَّــة.. الوحدة سلاح النهضة وطريق الكرامة
البيضاء نت | مقالات
بقلم / حسين بن محمد المهدي
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جميعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّـة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾
تُعَدُّ الوحدة من أعظم القيم التي دعا إليها الإسلام، ومن أهم الأسس التي تقوم عليها قوة الأمم ونهضتها.
وفي هذا العصر الذي تشكّلت فيه موازين القوة على أَسَاس التكتلات الكبرى والتحالفات السياسية والاقتصادية والعسكرية، أصبحت الوحدة ضرورةً مصيرية لا غنى عنها، لأن العالم لا يحترم الضعفاء، ولا مكان فيه للأمم المتفرقة التي تتنازعها الأهواء وتبدد طاقاتها الخلافات.
إنَّ التفرّق ضعفٌ وذلّة، بينما الوحدة قوّة وعزّة، فالقوة الحقيقية لا تتحقّق إلا باجتماع الكلمة وتكامل الجهود وتوحّد الأهداف.
والوحدة ليست شعارًا عاطفيًّا يُرفع في المناسبات، ولا كلماتٍ تُردّد في الخطب، بل هي مشروع حضاري متكامل يقوم على تنظيم الطاقات، وتوجيه الإمْكَانات، وتوحيد المواقف في إطار جامعٍ يحفظ للأُمَّـة كرامتها واستقلالها ويصون مقدساتها.
يا أُمَّـة شُدَّتْ عُراها بالهُدى ** إنَّ التفرُّقَ في الملمّاتِ العَطَبْ
كونوا كجسمٍ واحدٍ في أمرِكم ** فالقوةُ العظمى اجتماع لا نَسَبْ
بالوحدةِ العظمى تُصانُ كرامةٌ ** وبها يُذادُ عن الحِمى ويُجتنبْ
وبها تُشيَّدُ في المعالي أُمَّـة ** وتزولُ عن دربِ العُلا كُـلّ الكُرَبْ
إنَّ التكاتفَ سرُّ نصرِ شعوبِنا ** وبه يلينُ لعزمِنا الصعبُ الصَّعِبْ
والكلُّ إن عقدوا الوثاقَ بربهم ** فالنصرُ وعدُ اللهِ اتينا اقتربْ
فالوحدةُ العظمى أَسَاس حضارةٍ ** فيه الطموحُ إلى المعالي يُرتقَبْ
إن المسلمين جميعًا مسؤولون اليوم عن مواجهة العدوان والوقوف في وجه الصهيونية التي تستهدف الأُمَّــة في عقيدتها وأرضها ومقدساتها.
فالاعتداء على أي إقليم إسلامي هو اعتداء على الأُمَّــة كلها؛ لأن جسد الأُمَّــة واحد، وما يصيب جزءًا منه ينعكس أثره على سائر الأجزاء.
ولقد علّمنا الإسلام أن رابطة الإيمان هي الرابطة الكبرى التي تجمع المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه”.
وهذا هو مقتضى الولاية التي تربط المؤمنين بعضهم ببعض، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أولياء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وها نحن اليوم، في يوم القدس العالمي الذي دعا إليه الإمام الخميني رحمه الله، نشهد استمرار العدوان الصهيوني على فلسطين وإيران الإسلامية، وامتداد تهديداته إلى قوى الأُمَّــة التي تقف في وجهه.
ومن هنا فإن الواجب يقتضي أن يتضامن المسلمون جميعًا، وأن يقفوا صفًّا واحدًا في مواجهة هذا العدوان، وأن يعبّروا عن موقفهم الواضح في نصرة المظلومين والدفاع عن المقدسات.
واستجابة لدعوة قائد المسيرة القرآنية السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي فخروج الأُمَّــة إلى الميادين وتوحّد مواقفها ليس مُجَـرّد تعبير رمزي، بل هو رسالة قوة وإرادَة تؤكّـد أن الأُمَّــة ما تزال حيّة، وأن قضاياها الكبرى لا يمكن أن تموتَ في ضميرها.
فالجهود مهما عظمت تفقد قيمتها إذَا كانت متفرقة، لكنها تتحول إلى قوة هائلة حين تتوحد وتتكامل، فتجعل صوت الأُمَّــة مسموعًا، وتعزز قدرتها على حماية أوطانها وصون مقدساتها وردع المعتدين.
وهذا واجب إسلامي وإنساني، لأن الأُمَّــة مأمورة بأن تقوم برسالة الخير والعدل في الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّـة يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه”.
إن التماسك المجتمعي وظهور الأُمَّــة في صفٍ واحد يحفظ لها عقيدتها وهُويتها واستقلالها الحضاري، ويمنحها القدرة على مواجهة التحديات التي تحيط بها.
لذلك فإن الواجب على الأُمَّــة – إلى جانب حضورها في ميادين نصرة فلسطين – أن تدرك أن الوحدة ليست خيارًا ثانويًّا يمكن تأجيله، بل هي ضرورة استراتيجية وشرط أَسَاسي لاستعادة القوة والكرامة.
فالوحدة طريق العزة، والتفرق طريق الضعف، وهذه حقيقة أكّـدها القرآن الكريم، وشهد بها التاريخ، ويثبتها واقع العالم في كُـلّ يوم.
إذا اجتمعت في الأُمَّــة العزمات ** قامت لها في المكرمات حياة
والوحدة الكبرى سلاح عزها ** وبها تصان الأرض والثروات
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.