من امتصاص الضربة إلى فرض معادلة الاستنزاف المؤلم

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

في واحدة من أخطر محطات الصراع الإقليمي خلال السنوات الأخيرة، لم يكن اغتيال قيادات الصف الأول في الجمهورية الإسلامية، وعلى رأسهم آية الله السيد علي خامنئي مجرد ضربة أمنية أو عملية عسكرية عابرة، بل مثل محاولة استراتيجية لإحداث شلل في مركز القرار الإيراني وإرباك بنية القيادة والسيطرة داخل الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، وقد أكدت عدة تقارير دولية أن الاغتيال جاء ضمن الضربات الافتتاحية للحرب الدائرة منذ أواخر فبراير 2026،  غير أن ما تلا هذه الضربة كشف عن تحول نوعي في الأداء الدفاعي والهجومي للجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ إذ لم تنزلق طهران إلى رد فعل انفعالي سريع، بل اتجهت إلى امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب مراكز القيادة، قبل الانتقال إلى تكتيك هجومي استنزف قدرات العدو الدفاعية وفتح مرحلة أكثر قسوة في مسار المواجهة.

امتصاص الصدمة وإعادة بناء مركز القرار

الضربة التي استهدفت قمة الهرم السياسي والعسكري كانت تهدف، في جوهرها، إلى إحداث فراغ قيادي يؤدي إلى انهيار تماسك الدولة، وإضعاف القدرة على اتخاذ القرار السريع،  لكن المؤشرات الأولية أوضحت أن إيران نجحت في
منع الانهيار المؤسسي رغم حجم الخسارة،  وتأمين انتقال سريع للقيادة،  والحفاظ على تماسك الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية،  وإبقاء قنوات الاتصال العملياتي مفتوحة،  هذا التماسك السريع أفشل الرهان على أن يؤدي الاغتيال إلى انهيار داخلي أو انقسام في مراكز القوى، الا أنه سرعان ما تم انتقال القيادة العليا إلى مجتبى خامنئي بنهج أكثر عنفوانا وقوة في إدارة الصراع.

التفوق الإيراني في إدارة الزمن العسكري

أحد أبرز مظاهر التفوق الإيراني تمثل في إدارة عامل الزمن،  فبدل الرد الفوري، اتجهت طهران إلى استنزاف الخصم نفسيًا وعسكريًا عبر سياسة الضربات المتدرجة،  هذا الأسلوب حقق عدة أهداف منها  استنزاف منظومات الدفاع الجوي،  وإجبار العدو على استهلاك مخزونه الاعتراضي،  وإرباك غرف العمليات والتنبؤات الاستخباراتية،  وإبقاء الجبهة الداخلية للخصم تحت ضغط مستمر،  والمعادلة هنا لم تعد “ضربة مقابل ضربة”، بل أصبحت حرب إنهاك طويلة النفس.

تكتيك مؤلم استنزف القدرات الدفاعية

تشير التطورات الميدانية إلى أن إيران انتقلت إلى تكتيك يعتمد على،  الموجات الصاروخية المتتابعة،  المسيّرات الانتحارية،  وتنويع زوايا الهجوم،  واستخدام جبهات متعددة في التوقيت نفسه،  وهذا الأسلوب أدى إلى تشتيت الدفاعات المعادية وفرض ضغط غير مسبوق على منظومات الاعتراض،  تقارير حديثة تتحدث عن تأثيرات واسعة على البنية اللوجستية والتجارية في المنطقة، بما في ذلك تعطّل حركة الملاحة والطاقة، وهو ما يعكس اتساع نطاق الضغط الإيراني.

الانتقال إلى مرحلة أكثر إيلامًا

الأخطر في المشهد الحالي أن إيران لم تكتفِ برد الاعتبار الرمزي، بل انتقلت إلى مرحلة العقاب الاستراتيجي،  هذه المرحلة تقوم على،  ضرب مراكز حساسة،  وإنهاك العمق الدفاعي،  ورفع الكلفة الاقتصادية،  وكذلك توسيع نطاق التهديد الإقليمي،  وهو ما يجعل المواجهة تدخل طورًا جديدًا عنوانه،  إيلام الخصم بما يتجاوز الميدان العسكري إلى المجالين الاقتصادي والنفسي.

الدلالات السياسية والاستراتيجية

تكشف هذه التطورات عن جملة من الدلالات المهمة وفي مقدمتها فشل رهان الضربة القاصمة فالاغتيال لم يؤدِّ إلى إسقاط بنية القرار الإيراني، بل تبنت القوات الإيرانية ردعًا قائمًا على طول النفس لا على الرد اللحظي،  وانتقل بذلك  الصراع إلى مرحلة مفتوحة، حيث لم تعد المواجهة محدودة، بل باتت مرشحة للتوسع إقليميًا،  والمشهد الحالي يشير إلى تغير واضح في قواعد الاشتباك.

سر التماسك والتفوق في بنية الدولة الإيرانية

من أبرز الدلالات التي كشفتها المرحلة الأخيرة من المواجهة يتمثل في الطبيعة الفريدة لنظام القيادة الإيراني، وهو نظام يمكن وصفه بأنه من أكثر أنظمة القيادة تماسكًا وتعقيدًا على المستوى العالمي، إذ لا يقوم على مركزية فردية جامدة بقدر ما يعتمد على نسق دائري متعدد المستويات والبدائل،  هذا النظام لا يرتكز على قائد واحد أو غرفة عمليات واحدة يمكن أن يؤدي استهدافها إلى شلل المؤسسة، بل يقوم على دوائر متداخلة من القيادة والسيطرة والتفويض العملياتي، بحيث يكون لكل مستوى قيادي بديل جاهز لتولي المهام فورًا في حال تعرض المستوى الأعلى للاستهداف أو الانقطاع،  وتشير التحليلات الحديثة إلى أن البنية الإيرانية، وخاصة داخل الحرس الثوري، تعتمد على اللامركزية المدروسة وتوزيع الصلاحيات على عقد قيادية متعددة لضمان استمرارية القرار والرد العملياتي، وبعبارة أكثر دقة، فإن النظام يعمل وفق نسق دائري متسلسل؛ فكلما تم استهداف دائرة قيادية أولى، تتولى الدائرة الثانية زمام القيادة، وإذا تعرضت الثانية للضغط، تنتقل المهام إلى الثالثة، وهكذا في تسلسل مرن لا يسمح بحدوث فراغ في مركز القرار،  هذا النمط من القيادة منح إيران ميزة استراتيجية حاسمة في مواجهة محاولات  قطع الرأس أو استهداف القيادات العليا، وهي الاستراتيجية التي تعتمد عليها بعض القوى العسكرية لإرباك الخصم وشل قدرته على الرد،  لكن ما حدث ميدانيًا أظهر أن إيران كانت قد بنت بنيتها القيادية على فرضية الاستهداف المسبق، ولذلك لم يؤدِّ اغتيال قيادات الصف الأول إلى انهيار المنظومة، بل سرعان ما أعادت المؤسسات العسكرية والأمنية إنتاج القيادة ضمن النسق الاحتياطي المعد سلفًا،  وتكمن قوة هذا النموذج في أنه يجمع بين المركزية الاستراتيجية واللامركزية التنفيذية؛ حيث تبقى الرؤية العامة والقرار السياسي في مركز موحد، بينما تُمنح المستويات الأدنى صلاحيات واسعة لتنفيذ العمليات والتعامل مع المستجدات الميدانية دون انتظار أوامر تفصيلية من الأعلى،  وهذا ما يفسر كيف استمرت العمليات الصاروخية والطائرات المسيّرة بوتيرة متماسكة رغم حجم الضربات التي استهدفت القيادات، الأمر الذي عكس وجود بنية قيادة مرنة ذات قدرة عالية على امتصاص الصدمات وإعادة التموضع السريع،  إن هذه المنظومة الفريدة لم تمنح النظام الإيراني فقط القدرة على الصمود، بل وفرت له قوة تماسك استثنائية جعلت من استهداف القيادات عاملًا لتسريع إعادة التشكل بدلًا من التصدع، وهو ما يمثل أحد أهم أسباب انتقال طهران من مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض تكتيك الاستنزاف المؤلم.

ختاما ..

ما جرى بعد استهداف قيادات الصف الأول لم يكن مجرد رد انتقامي، بل مثّل إعادة تموضع استراتيجية قلبت الطاولة على العدو الصهيوأمريكي،  فمن امتصاص الصدمة، إلى إعادة بناء مركز القرار، مرورًا بنظام القيادة  الفريد، ثم فرض تكتيك استنزاف مؤلم، لتدخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة جديدة عنوانها : تحويل الضربة الافتتاحية إلى فرصة لإعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي وفرض كلفة متصاعدة على الخصم.