ما وراء الرصاصة.. الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة مفهوم الهيمنة العسكرية في القرن الـ21
البيضاء نت | تقرير محسن علي
بينما تتسارع وتيرة التحولات التكنولوجية لتعيد رسم ملامح القوة العالمية في القرن الحادي والعشرين، صدر حديثاً عن مركز البحوث والمعلومات بوكالة الأنباء اليمنية سبأ كتاب “الذكاء الاصطناعي في الحروب.. مشروع نفام أداة إعادة إنتاج الهيمنة العسكرية الأمريكية” للباحث أنس القاضي, يقدم الكتاب تشريحاً نقدياً ومعمقاً للدور المتصاعد للذكاء الاصطناعي في النزاعات المعاصرة، كاشفاً عن تحول جذري في العقيدة العسكرية الأمريكية التي انتقلت من استخدام التكنولوجيا كأداة مساعدة إلى جعلها “المحرك السيادي” للقرار القتالي.
يسلط الكتاب الضوء على “مشروع نفام” (Project Maven) بوصفه النموذج الأبرز لهذا التحول، حيث لم تعد الحرب تدار بالبارود وحده، بل عبر خوارزميات تعالج ملايين البيانات في ثوانٍ معدودة لتنتج “فهرساً للأهداف” يغير قواعد اللعبة في ميادين القتال من أوكرانيا إلى غزة وصولاً إلى المواجهات الأخيرة في المنطقة.
فلسفة القوة في عصر الخوارزميات
ينطلق الكتاب من رؤية تحليلية ترفض اعتبار التكنولوجيا مجرد تطور علمي محايد، بل يراها نتاجاً لعلاقات القوة الاجتماعية والسياسية, يجادل المؤلف بأن الذكاء الاصطناعي في السياق العسكري الأمريكي يمثل “إعادة إنتاج للهيمنة”، حيث يتم دمج رأس المال التكنولوجي مع المؤسسة العسكرية لخلق فجوة نوعية بين “المركز” الذي يمتلك المعرفة والخوارزميات، و”الأطراف” التي تتحول ساحاتها إلى ميادين لاختبار هذه التقنيات وتحمل تبعاتها البشرية والمادية.
مشروع “نفام”.. من المختبر إلى “سلسلة القتل”
يفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل “مشروع نفام” (Project Maven)، الذي بدأ في عام 2017 كمشروع تجريبي لتحليل صور الطائرات المسيرة، وتطور ليصبح “نظاماً عملياتياً ذكياً” يربط بين الاستخبارات والتنفيذ القتالي, ويوضح كيف نجح هذا المشروع في تقليص ما يعرف بـ “سلسلة القتل” (Kill Chain) من ساعات إلى ثوانٍ، عبر دمج بيانات الأقمار الصناعية، والرادارات، والاتصالات، وحتى النماذج اللغوية الكبيرة (مثل Claude) لتقديم توصيات قتالية فورية.
تطبيقات ميدانية.. أوكرانيا، غزة، ونيران المنطقة
لا يكتفي الكتاب بالجانب النظري، بل يستعرض تطبيقات حية للذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة, بل يشير إلى أن الحرب في أوكرانيا كانت “مختبراً مفتوحاً” لهذه التقنيات، بينما شهد العدوان على غزة استخدام أنظمة مثل “لافندر” (Lavender) و”الإنجيل” (The Gospel) لتوليد آلاف الأهداف بشكل آلي، مما أدى إلى مستويات غير مسبوقة من الدمار, كما يتطرق إلى العمليات العسكرية الأخيرة في المنطقة (مارس 2026)، حيث تم توظيف نظام “نفام” لتنفيذ مئات الضربات في وقت قياسي، مما يثبت أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الترسانة الهجومية الحديثة.
التناقضات البنيوية والمخاطر الأخلاقية
يسلط الكتاب الضوء على معضلة “السرعة مقابل الدقة”, فبينما تضغط الأنظمة الخوارزمية لتسريع اتخاذ القرار، يتراجع الدور الرقابي للبشر، مما يفتح الباب أمام أخطاء كارثية وجرائم حرب يتم تغليفها بـ “الشرعية التقنية”, وهنا يحذر المؤلف من أن الاعتماد المفرط على هذه الأنظمة يخلق حالة من “الغموض في المسؤولية”، حيث يصعب تحديد المذنب عند وقوع مجازر ناتجة عن بيانات خاطئة أو تحليل خوارزمي قاصر.
إعادة تشكيل الهيمنة العالمية
في فصوله الختامية، يخلص الكتاب إلى أن الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة مفهوم “السيادة”, فالهيمنة اليوم لم تعد تقتصر على السيطرة على الموارد المادية، بل تمتد لتشمل السيطرة على “تدفق البيانات” و”إنتاج المعرفة العسكرية”, هذا التحول يكرس تبعية الدول النامية التي تفتقر للبنية التحتية الرقمية، ويجعل من “التفوق الخوارزمي” معياراً جديداً لتصنيف القوى الدولية.
الخلاصة
يعد كتاب “الذكاء الاصطناعي في الحروب” إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال الدراسات الاستراتيجية والتقنية, فهو لا يكتفي برصد التطور التكنولوجي، بل يقدم رؤية نقدية تربط بين التقنية والسياسة والأخلاق, كما يعد جرس تحذير من مستقبل قد تدار فيه الحروب بـ “التحكم عن بعد” وبدم بارد، مما يستدعي وقفة جادة من المجتمع الدولي لضبط هذه التقنيات قبل أن تخرج عن السيطرة البشرية تماماً.
للمزيد.. يرجى الضغط على الرابط أدناه لتحميل الكتاب.