الأمة بين الهدى والضياع

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الدولية، وتتداخل فيه المصالح بالصراعات، تبرز رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي كخطابٍ تحليلي متجاوزا اللحظة الراهنة ليقدم قراءة عميقة لمسار الأمة والبشرية على حد سواء، رؤية لا تكتفي بتشخيص الواقع، بل تكشف جذور الأزمات ومآلاتها، مستندة إلى منطلق قرآني يعتبر الهدي الإلهي أساس الاستقرار والبناء الحضاري.

الخسارة الكبرى حين يغيب الهدي

يضع الشهيد القائد قاعدة مركزية لفهم واقع الأمة بقوله: “الأمة عندما تعرض عن هدي الله تخسر خسارات كبيرة جداً، وتجلب الخسارات أيضاً على الأمم الأخرى”، هذه العبارة تختزل فلسفة متكاملة ترى أن الانحراف عن المنهج الإلهي لا يقتصر أثره على الداخل، بل يمتد ليصيب الإنسانية جمعاء، فالقضية، وفق هذا الطرح، ليست مجرد تدين فردي أو التزام شعائري، بل هي مسألة ترتبط ببنية الحضارة ذاتها؛ إذ إن الهدي الإلهي يمثل الضابط الأخلاقي والمعرفي الذي يحفظ توازن الإنسان في تعامله مع العلم، والسلطة، والآخر.

تفكيك الحضارة .. مشروع التفريق كأداة للهيمنة

تشير رؤية شهيد القرآن إلى أن القوى العالمية المهيمنة تعتمد سياسة “التفريق” كنهج استراتيجي لإضعاف الأمم، ويتجلى ذلك في عدة مستويات، التفريق بين الإنسان ودينه، بما يؤدي إلى إفراغ القيم من مضمونها، والفصل بين الإنسان وربه، وتحويل الحياة إلى مسار مادي صرف، وعزل المسلم عن القرآن الكريم، ما يفقده مرجعيته الأساسية، وتفتيت المجتمعات إلى كيانات متناحرة، وكذلك تعميق الفجوة بين الحاكم والشعب كوسيلة لإضعاف الدول، هذه السياسات، بحسب التحليل، ليست عفوية، بل جزء من مشروع متكامل لإعادة تشكيل العالم بطريقة تضمن استمرار الهيمنة، فالانقسام الداخلي هو المدخل الأسهل لإسقاط الأمم دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة.

الحضارة الغربية على حافة التناقض

تتوقف الرؤية عند مفارقة لافتة، أن الحضارة الغربية، رغم تقدمها العلمي والتقني، تحمل في داخلها عوامل انهيارها، فالعلم، عندما يُفصل عن القيم، يتحول من أداة بناء إلى وسيلة تدمير،
ويحذر الشهيد القائد من أن الدول المتقدمة علمياً قد تُساق نحو صراعات مدمرة، تؤدي إلى تدمير البنى التحتية الحيوية كالمصانع والمفاعلات، وفقدان الكفاءات العلمية من علماء وخبراء، وانهيار المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات، وضياع تراكمات علمية وحضارية بُنيت عبر عقود أو قرون، وهنا يبرز البعد الاستراتيجي للرؤية، أن الحروب ليست فقط صراعاً سياسياً، بل أداة لإعادة تصفير الحضارات.

إعادة إنتاج الانهيار .. التاريخ يعيد نفسه

تربط الرؤية بين ما يحدث اليوم وما حدث في الماضي، معتبرة أن القوى ذاتها التي ساهمت في تدمير حضارات سابقة، تعمل اليوم على إعادة السيناريو نفسه، هذا الطرح يقدم قراءة للتاريخ بوصفه سلسلة من الدورات، حيث يؤدي الانحراف القيمي إلى سقوط الحضارات، مهما بلغت قوتها المادية، وبالتالي، فإن ما يبدو تقدماً مطلقاً قد يخفي في داخله مقدمات الانهيار.

القرآن كضمانة حضارية

في مقابل هذا المشهد القاتم، تقدم الرؤية بديلاً واضحاً هو العودة إلى هدي الله، المتمثل في القرآن الكريم، فالقرآن،ليس مجرد نص ديني، بل منظومة قيم تحفظ التوازن الإنساني، ومرجعية أخلاقية تضبط استخدام العلم، وإطار شامل لبناء حضارة متماسكة ومستدامة، وتؤكد الرؤية أن بقاء العلوم وتطورها لا يعتمد فقط على التقدم التقني، بل على وجود منظومة أخلاقية تحمي هذا التقدم من الانحراف.

العلم بين البناء والهدم

تطرح الرؤية سؤالاً جوهرياً، هل يمكن للعلم أن يستمر وينمو بمعزل عن القيم؟ ، الإجابة التي تقدمها واضحة، أن العلم بدون هدي إلهي معرض لأن يتحول إلى أداة دمار، بينما الهدي يضمن أن يكون العلم وسيلة للبناء والإعمار،
فالمشكلة ليست في العلم ذاته، بل في الجهة التي توجهه، والأهداف التي يُسخر لها.

البعد الإنساني الشامل للرؤية

لا تقتصر هذه الرؤية على الأمة الإسلامية، بل تمتد لتشمل البشرية جمعاء، فالخطاب هنا عالمي، يؤكد أن حاجة الإنسان إلى الهدي الإلهي هي حاجة إنسانية عامة، وليست حكراً على أمة دون أخرى، ومن هذا المنطلق، فإن إنقاذ البشرية من أزماتها المتلاحقة يتطلب إعادة الاعتبار للقيم الإلهية كمرجعية عليا.

بين خيارين

تضع هذه الرؤية العالم أمام مفترق طرق واضح،
إما الاستمرار في مسار التفريق والصراع، بما يقود إلى انهيار حضاري شامل، أو العودة إلى هدي الله كضمانة لبناء حضارة متوازنة ومستقرة، وبين هذين الخيارين، تبدو المسؤولية جماعية، تبدأ من وعي الإنسان بذاته، وتمتد إلى بناء أنظمة ومجتمعات قائمة على القيم، لا المصالح الضيقة.
في النهاية، لا تقدم هذه الرؤية مجرد نقد للواقع، بل تطرح مشروعاً متكاملاً للإنقاذ، عنوانه الأبرز، أن الهدي الإلهي ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة وجودية لبقاء الإنسان والحضارة.