“الصرخة” فعل ثوري يغير وجه التاريخ.. قراءة استراتيجية في خطاب السيد القائد

البيضاء نت | تقرير محسن علي 

لم تكن كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي “يحفظه الله” بمناسبة الذكرى السنوية لـ”الصرخة في وجه المستكبرين” مجرد خطاب عابر، بل باتت بمثابة وثيقة استراتيجية تكشف أبعاد الهجمة الكونية على أمة تساق قودا إلى مذبح التبعية، وتقدم خارطة طريق عملية لمواجهتها,, الخطاب، الذي ألقي يوم أمس في الرابع من ذي القعدة 1447هـ الموافق 21 أبريل 2026م، لم يكتفِ باستذكار الماضي، بل غاص في عمق الواقع، مستشرفاً المستقبل، ومقدماً تحليلاً فلسفياً وسياسياً لمسار الصراع, معيدا تعريف معادلة الصراع، ومحذرا في الوقت نفسه من أن ثمن التخاذل بات أكبر من أن يُحتمل، وأن بوصلة العداء يجب أن تُضبط الآن، قبل فوات الأوان.

 

“الصرخة”: منشأ قرآني.. فعل وجودي

تعود “الصرخة” إلى العام 1422هـ (2002م)، حين أطلقها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي” رضوان الله عليه” لم تكن الصرخة مجرد رد فعل، بل كانت فعلاً وجودياً مستلهماً من القرآن الكريم، يهدف إلى إيقاظ الأمة من سباتها في مواجهة “هجمة للكفر والطاغوت، تحمل راية الجاهلية الأخرى”, هذه “الجاهلية الأخرى”، كما وصفها السيد القائد، تتجاوز سابقاتها في إمكاناتها ووسائلها وأهدافها الشيطانية، وتتجسد اليوم في الهجمة اليهودية الصهيونية الأمريكية الإسرائيلية التي تستهدف الأمة في كل مقوماتها.

ضرورة إيمانية وحق مشروع

إن جوهر الصرخة يكمن في كونها “موقفاً قرآنياً عظيماً” يرفض الخنوع والاستعباد، ويجسد العزة الإيمانية, هي ليست مجرد كلمات، بل هي “نقلة حكيمة وميسرة” تنتقل بالناس من حالة الجمود إلى مستوى الموقف الحق، في إطار توعية قرآنية وتعبئة إيمانية وتحرك عملي بناء, هذا التحرك ليس خياراً، بل هو ضرورة إيمانية ودينية وأخلاقية وإنسانية، وحق مشروع للأمة في الدفاع عن نفسها وكرامتها ومقدساتها.

تشريح واقع الأمة.. الولاء، التخاذل، وتكميم الأفواه

يقدم الخطاب تشريحاً قاسياً لواقع الأمة، حيث يرى السيد القائد أن الهجمة الأمريكية الإسرائيلية الصهيونية قوبلت بـ”مسارعة لمعظم الأنظمة، والحكومات، والزعماء، لإعلان الولاء والطاعة والخضوع للأعداء”, هذا الولاء ليس مجرد خطأ سياسي، بل هو “من أسوأ مظاهر الارتداد والتراجع عن مبادئ الإسلام العظيمة”، ويتناقض مع الثوابت القرآنية التي تحرم موالاة اليهود والنصارى، مستشهداً بالآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. [المائدة: 51].

الشعار يكسر الحصار

الأخطر من ذلك، هو “تخاذل عام من معظم الشعوب”، والذي أدى إلى تمكين الأعداء من السيطرة, في هذا السياق، تبرز “الصرخة” ككسر لحالة الصمت وتكميم الأفواه التي يسعى الأعداء لفرضها’ فبينما يُجرم انتقاد الجرائم الإسرائيلية في الغرب تحت مسمى “معاداة السامية”، يصل الأمر في بعض البلدان الخليجية إلى مستويات أسوأ، حيث يُعاقب على مجرد تغريدة تعاطف مع فلسطين أو حزب الله، ويُحظر الدعاء للمجاهدين، بينما يُسمح بالولاء للعدو الإسرائيلي وتبرير جرائمه, الصرخة هنا ليست مجرد صوت، بل هي فعل مقاومة يكسر هذا الحصار، ويفتح المجال للتعبير عن السخط والموقف الرافض.

ضبط بوصلة العداء.. تحصين ضد الاختراق

من أهم الأبعاد الاستراتيجية للصرخة هو “تحصين الوضع الداخلي للأمة، ومواجهة مساعي تدجين الأمة وتوجيه ولائها لأعدائها، والعمل على ضبط بوصلة العداء في الاتجاه الصحيح”. يرى السيد القائد أن أخطر ما تعانيه الأمة هو “تمكُّن اليهود الصهاينة، ومن معهم من أعوانهم، من التَّلَعُّب والاختراق لهذه الأمَّة في مسألة الولاء والعداء”. لقد نجح اليهود في حرف بوصلة العداء لتيارات واسعة من أبناء الأمة، لتوجيهها ضد من يعادي المخطط الصهيوني، ومن يقف عائقاً في وجه الأجندات الأمريكية الإسرائيلية، مستغلين في ذلك أدوات مثل التكفيريين وبعض الأنظمة الداعمة لهم.

وهنا تعمل الصرخة كـ”ميزان إيماني وأخلاقي” يعيد توجيه العداء نحو الأعداء الحقيقيين، وهم اليهود الصهاينة ومن يتحرك معهم, إنها ترسخ مسألة الموالاة والمعاداة كـ”اعتبار مبدئي، ديني، أخلاقي، قيمي”، يترتب عليه مصير الإنسان في الدنيا والآخرة، ويحدد موقفه إما مع العدل أو الظلم، مع الحق أو الباطل.

محتوى الصرخة.. رؤية قرآنية شاملة

محتوى الصرخة (الله أكبر- الموت لأمريكا- الموت لإسرائيل- اللعنة على اليهود- النصر للإسلام) ليس مجرد شعارات جوفاء، بل هو “عنوان للمشروع القرآني، وتعبير عن ثقافة ورؤية قرآنية” تواجه عناوين ومضامين الأعداء المخادعة. هذه المضامين تهدف إلى:

ترسيخ التكبير لله: وإسقاط كل تعظيم وانكسار أمام قوى الطاغوت والاستكبار، وإعادة الاعتبار لعظمة الله وحده.

مواجهة العدو الأمريكي والإسرائيلي: الذي يستهدف الأمة في دينها ووجودها، ويرتكب أبشع الجرائم، ويحاول إماتة دينها واستعبادها.

فضح الدور الأساسي لليهود: في الحركة الصهيونية وحركة العداء للأمة والسعي للإضلال والإفساد في العالم، وكشف مخططاتهم الخفية.

ترسيخ حقيقة النصر للإسلام: كدين موعود بالظهور العالمي، وأن الأمة إذا تحركت بمبادئه وقيمه ستنتصر وتظهر وتعلو، وهو ما يتجلى في صمود غزة وانتصارات حزب الله.

دعوة للتحرك العملي.. من الوعي إلى الفعل

اختتم السيد القائد خطابه بدعوة صريحة للأمة إلى اليقظة والوعي، والتحرك العملي الصادق في سبيل الله, مجدداً دعوته  للتمسك بالموقف القرآني، ومقاطعة أدوات العدو، والتحرك العملي الصادق في سبيل الله, فالصرخة ليست مجرد ذكرى، بل هي منهج حياة، ومشروع أمة، يهدف إلى تحقيق العزة والكرامة والنصر للإسلام والمسلمين في مواجهة قوى الاستكبار العالمية, ودعوة لإعادة الاعتبار لمسألة الموالاة والمعاداة كاعتبار مبدئي وديني وأخلاقي، يترتب عليه مصير الإنسان في الدنيا والآخرة، وتحويل الوعي إلى فعل مقاوم يغير المعادلات ويصنع النصر.