سورةُ البقرة هي أطول سورة في القرآن الكريم، وتسميتُها بهذا الاسم من قبل الله عز وجل له دلالةٌ مهمة، وفيها تحذيرٌ للمسلمين من أن يقعوا فيما وقع فيه بنو إسرائيل، وتصبحُ البقرةُ أهمَّ قضية لدينا، وهناك في هذه السورة المباركة الكثيرُ من الدروس والقصص والعبر التي تزيد الأُمَّــة هدىً ونورًا ووعيًا وبصيرةً.
ومن هذه الدروس العظيمة ما ذكره الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي -رضوان الله عليه- في الدرس الرابع من دروس رمضان حول قوله تعالى: (إن الله يأمُرُكم أن تذبحوا بقرة)، حَيثُ نتعلم من هذه الآيات المباركة التي تناولت هذه القصة الدروسَ الآتية:
الدرس الأول: أن الناسَ حينما يبتعدون عن هدى الله يصبحون بقرًا فعلًا، وتتشابه عليهم أبسطُ الأمور: (إن البقر تشابه علينا)، وما أكثرَ المسلمين الذين تتشابه عليهم الأمور اليوم، الذين يقولون: لم نعد نعرف أين الحق؟، ومع مَن الحق؟، ومسلمٌ يقتل مسلمًا؟، مع أن الحق واضح لا لَبْسَ فيه لو أنهم فعلًا أرادوا الوصول إليه، وكان هذا الموضوع يهمهم فعلًا.
الدرس الثاني: هو قدرةُ بني إسرائيل على إعداد المؤامرات والخطط المحكمة للنيل من البشرية، فهذه القصة تتحدث عن شخص من بني إسرائيل دبّر خطة محكمة لاغتيال شخصٍ آخر، وقام بتنفيذها في ظروف غامضة دون أن يتمكّنَ أحدٌ من معرفته، وصار كُـلّ واحد منهم يتهم الآخر: (وإذا قتلتم نفسًا فادَّارأتُم فيها)، فهم أهلُ خِبرة في إعداد الخطط والمؤامرات الخطيرة، وحينما أغفل المسلمون هذه الحقيقةَ القرآنية وقعوا أكبر ضحيةً للمؤامرات والمخطّطات الصهيوأمريكية.
الدرس الثالث: أن الباطِلَ لا يمكنُ أن يلبَسَ قميصَ الحق بنسبة مِئة بالمِئة، فاللهُ سُبحانَه وتعالى قد تكفَّــلَ بفضحِ مخطّطات ومؤامرات بني إسرائيل إلى قيامِ الساعة: (والله مخرج ما كنتم تكتمون)، وبطريقة سهلة وبسيطة لها علاقة بهذه الخطط والمؤامرات، وأحيانًا من داخلها.
وكان الله سبحانه وتعالى قادرًا أن ينزلَ آيةً على موسى يخبره بالقاتل منهم بطريقة مباشرة، لكنه عز وجل أراد أن يمكِّنَ عباده المؤمنين من كشف هذه المخطّطات والمؤامرات بأنفسهم؛ لأن مؤامراتِ ومخطّطات بني إسرائيل لن تتوقَّفَ، والأنبياء عليهم السلام لن يكونوا إلى جانبهم باستمرار، فأمرهم أن يضربوا القتيلَ بأجزاء من البقرة بعد ذبحها وسوف ينهضُ ويخبرُهم هو بقاتله: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى).
اليوم تكادُ تكونُ مخطّطاتُ ومؤامرات اليهود والنصارى ضد العرب والمسلمين واضحةً ومكشوفةً، إلا أن العربَ والمسلمين -للأسف- لم يعودوا يستخدمون عقولَهم نهائيًّا، ولم يعودوا يميِّزون عدوَّهم من صديقهم، فضاعت عليهم فلسطين، وتدمّـرت ليبيا وسوريا ولبنان والسودان والعراق واليمن، ولا تزالُ المخطّطاتُ والمؤامراتُ الصهيوأمريكية ضدهم مُستمرّة، ومن يفكّر من أبناء هذه الأُمَّــة، ويكشفُ مخطّطاتِ الأمريكان والصهاينة، ويتحَرّكُ بنفسه وماله وولده ووالده إلى مواجهتهم، يتصدى له غالبية العرب والمسلمين أنفسهم قبل غيرهم، وما تفعله أغلب الأنظمة العربية والإسلامية بحق محور الجهاد والمقاومة شاهد على ذلك، بل هذا ما تفعله بعضُ الأنظمة العربية بحق أولياء الله الذين يدافعون عن شعبِها ووطنها واستقلالها وسيادتها، وما ترتكبُه السلطة اللبنانية بحق المقاومة الإسلامية في لبنان مثال على ذلك.
الدرس الرابع: أن الناس الذين لا ينفذون التوجيهات البسيطة المطلوبة منهم في البداية يضطرون فيما بعد إلى تنفيذ ما هو أصعب منها بأضعاف مضاعفة، فالبقرة المطلوبة من بني إسرائيل في البداية كانت بقرة عادية، ولم تصبح نادرة وباهظة الثمن إلا عندما تردّدوا وتعنتوا في تنفيذ التوجيهات السابقة، وهذه العقوبة تكاد تكون سُنَّةً إلهية، فالمخلَّفون من الأعراب الذين خافوا على أنفسهم في غزوة بدر، ولم يخرجوا مع رسول الله لقتال أناس أمثالهم في القوة، نزل فيهم بعدها قول الله: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أَو يسلمون وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابًا شديدًا).
الدرس الخامس: أن الناس الذين لا يعطون القضايا والمواقف الكبيرة والعظيمة أهميّة خَاصَّة في حياتهم ينشغلون بعدها بأمور وقضايا صغيرة وهامشية وأشياء بديهية تافهة، ويعتبرون أنفسهم أذكياء وعباقرة: (قالوا الآن جئت بالحق)، مع أن موسى عليه السلام جاء بالحق من البداية، وقال لهم بصورة واضحة: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)، فلم ينفذوا التوجيه الإلهي مباشرة، وصاروا يبحثون عن لون البقرة وشكلها وسنها ووظيفتها، مع أن هذه التفاصيل لم تكن مطلوبة، ولا علاقة لها بالنتيجة التي ستحقّقها، ولذلك نهى الله الصحابة عن توجيه مثل هذه الأسئلة لرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، فقال لهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ).
هذا النهي جاء بعد كثيرٍ من الأسئلة التي ما كان ينبغي أن يوجهوها لرسول الله، ومنها: (ويسألونك عن الأهلة) وَ(يسألونك عن الأنفال) وَ(يسألونك عن الخمر والميسر) وَ(يسألونك عن المحيض) وَ(يسألونك عن اليتامى)، ولو أنهم سألوا أعرابيًّا في الصحراء عن هذه الأشياء لأجابهم عنها بنفس الإجَابَة التي أجابهم عليها القرآن الكريم؛ لأن هذه الأسئلة بديهية ومعروفة للناس بالفطرة، وسؤال رجل عظيم عنها وانتظار وحي من السماء بها في ظروف استثنائية يعبر عن فقدان الوعي والحكمة، والاستخفاف بالهدى والقيادة.
الدرس السادس: أن الناس الذين يعرضون عن هدى الله تنحط نفسياتهم ومشاعرهم، وتفسد قلوبهم وعقولهم، فيتعاملون مع الله وملائكته وكتبه ورسله باستخفاف وسخرية: (أتتخذنا هزوًا)، لم يتعاملوا مع موسى عليه السلام على أنه رسول بعثه الله لهدايتهم، وإنما تعاملوا معه كموظف بسيط عندهم، ومراسل بينهم وبين الله: (قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي)، بل تعاملوا مع الله سبحانه وتعالى على أنه طرف وهم طرف يتفاوضون معه حول البقرة، ولم يتعاملوا معه على أنه سبحانه وتعالى ربهم، وأنه يريد هدايتهم وإخراجهم من المصيبة التي وقعوا فيها: (ادع لنا ربك)، وكأنه ليس ربهم، ولا يعترفون به عز وجل عما يقولون علوًّا كَبيرًا.
وهناك الكثير من القصص والدروس والعبر التي تحدث عنها الشهيد القائد -رضوان الله عليه- والتي نحن فيْ أمسِّ الحاجة إليها؛ لتصحيح علاقتنا بالله، وطريقة تعاملنا مع القرآن وأعلام الهدى عليهم السلام، حتى ندرك نعمة الهداية والقيادة، ونكون على بينة في كافة شؤوننا وأمورنا.