العقيدة العسكرية ومعركة السيادة

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / شاهر أحمد عمير 

يمثّل التحوُّلُ الجذريُّ في العقيدة العسكرية اليمنية اليوم واحدًا من أهم المرتكزات التي أعادت صياغة المشهد الوطني، واضعةً اليمن في خارطة القوى الفاعلة التي تتجاوز حدود الجغرافيا المحلية لتفرض معادلات سيادية جديدة.

فشتانَ ما بين الثرى والثريا حين نتأمل الفارق الشاسع بين مؤسّسة عسكرية كانت تُبنى في الماضي على مقاس الأشخاص وتُسخّر لحماية العروش والعائلات، وإنما نحن أمام جيش وطني عقائدي اليوم يستمد قوته من قيم الجهاد ونصرة المستضعفين، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، وهو ما يفسر تلك القدرة الأُسطورية للمقاتل اليمني على الصمود والثبات أمام أعتى الترسانات العسكرية العالمية، حَيثُ تحولت العقيدة من “الولاء الضيق” إلى “الولاء المطلق” لله والوطن والقضايا العادلة.

واليوم يصبح من الإجحاف والقصور في الوعي مساواة هذه الروح الإيمانية العالية بجيوش كانت تقتات على الارتهان للخارج وتتحَرّك بإشارة من القوى الإقليمية، ولعل من المؤسف حقًا أن نجد بعض الأصوات التي تُحسب على الصف الوطني وهي تفتقر للوعي الكافي بمخاطر العدوان وأدواته، فتبادر بنشر تحليلات أَو منشورات تنقص من دور مؤسّسات الدولة في صنعاء، متجاهلةً عن عمد أَو جهل حقيقة أن العدوان لم يكتفِ بالآلة العسكرية، وتجاوز ذلك بتركيز كُـلّ جهده على تدمير المصالح الحيوية وتجفيف المنابع الإيرادية للشعب اليمني، من خلال السيطرة المباشرة من قبل الاحتلال السعوديّ والإماراتي ومرتزِقتهم على ثروات النفط والغاز، والتي كانت تمثل في السابق أكثر من سبعين بالمئة من ميزانية الدولة، مضافًا إلى ذلك الجريمة الاقتصادية المتمثلة في نقل وظائف البنك المركزي إلى عدن لقطع شريان المرتبات التي كانت تصرف لكل موظف يمني دون تمييز.

إن المجاهد الحقيقي وصاحب الموقف الصادق هو من يدرك حجم هذه المؤامرة المركبة ولا يغيب عن ذهنه المسبب الرئيسي لهذه المعاناة الإنسانية؛ إذ لا يجوز شرعًا ولا عرفًا المقارنة بين الضحية التي تقاوم بكل ما أوتيت من قوة وبين الجلاد الذي يحاصر لقمة العيش.

فالمسؤولية التي تضطلع بها الدولة في صنعاء والخدمات التي تسعى لتوفيرها هي واجب مقدس لا تتهرب منه، وهي تبذل في سبيل ذلك قصارى الجهد وفق الإمْكَانيات المتاحة رغم الحصار الخانق والسياسات الممنهجة للمرتزِقة الذين ينهبون ثروات الشعب ويودعونها في البنوك الخارجية لتمويل رفاهيتهم وبناء استثماراتهم في عواصم العالم، بينما يترك المواطن اليمني ليواجه أعباء الحياة بصبر وثبات.

إن المعركة اليوم ليست عسكريةً فحسب، وإنما هي معركة سياديةٌ شاملة ترتبط فيها لقمة العيش بكرامة الموقف، حَيثُ يراهن العدوان الرباعي الأمريكي والإسرائيلي والسعوديّ والإماراتي على سلاح التجويع لكسر إرادَة الشعب وإخضاعه لشروط الوصاية والارتهان، ولكن هيهاتَ أن يفلحَ هذا الرهانُ أمامَ شعب يرفع شعار “هيهات منا الذلة”، فلو بلغ الحالُ باليمنيين حَــدَّ أكل أوراق الشجر وتراب الأرض فلن ينحنوا لأنجاس العالم، ولن يفرطوا في سيادة وطنهم التي رُويت بدماء الشهداء الأطهار، فالحقوق لا تسقط بالتقادم،

وكل قطرة نفط نهبت وكل قرش سُلِبَ من قوت الشعب سيعودُ بإذن الله، ففجرُ الحرية والكرامة بات قريبًا ليبدِّدَ ظلامَ التآمر.

ولينتصر المظلوم على ظالمه بقوة الله الغالبة التي لا يقهرها معتدٍ مهما تجبر، ولا نامت أعين الجبناء، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أي مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.