كش ملك استراتيجي: كيف استنزفت إيران مشروع الهيمنة الأمريكية؟

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / رهيب التبعي 

 (من منطق الصدمة إلى النفس الطويل)

في السياسة الدولية، لا تُقاس الهزائم دائمًا بعدد الطائرات التي أُسقطت، ولا بعدد الجنود الذين سقطوا في الميدان، إنما تُقاس أحيانًا بقدرة دولةٍ ما على إفشال أهداف خصمها الاستراتيجية، واستنزاف نفوذه، وكسر هيبته أمام العالم.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة المشهد القائم بين إيران وأمريكا؛ باعتبَاره تحولًا عميقًا في موازين الصراع، وصل في نظر كثير من المراقبين إلى ما يشبه “كش ملك” سياسيًّا واستراتيجيًّا.

دخلت أمريكا المنطقة بعد اجتياح أفغانستان والعراق؛ باعتبَارها القوة التي لا تُهزم، حاملةً مشروع الهيمنة الكاملة على القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في منطقتنا.

أسقطت أنظمة، واحتلت دولًا، وأنفقت تريليونات الدولارات، واعتمدت على تفوق عسكري وتقني هائل.

لكنها بعد عقود من التدخلات وجدت نفسَها أمام واقع مختلف: نفوذ متآكل، وقواعد عسكرية مهدّدة (كما شهدنا في العراق وسوريا)، وحلفاء مرتبكون (من الرياض إلى أبوظبي)، ورأي عام عالمي لم يعد يرى فيها القوة المطلقة التي لا تُردع.

في المقابل، استطاعت إيران ــ رغم العقوبات القاسية والحصار والضغوط السياسية والاقتصادية التي استمرت لأكثر من أربعة عقود ــ أن تحافظ على تماسك نظامها، وأن تبنيَ شبكة نفوذ إقليمي واسعة من بيروت إلى صنعاء، وأن تفرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات المنطقة الكبرى.

والأهم أنها نقلت المواجهة من حالة الدفاع المُستمرّ إلى مرحلة الردع وفرض المعادلات.

كانت أمريكا تراهن على أن “العقوبات القصوى” ستؤدي إلى انهيار داخلي، وأن الضغوطَ المُستمرّة ستدفع إيران إلى التراجع أَو الاستسلام السياسي، لكن الذي حدث عمليًّا هو العكس؛ إذ تحولت العقوبات إلى عامل دفع نحو تطوير القدرات المحلية (من الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة)، وتعزيز خطاب الاستقلال، وتوسيع التحالفات الدولية مع الصين وروسيا ودول البريكس بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.

كما أن الحروب غير المباشرة التي أُديرت في المنطقة ــ من دعم “داعش” إلى اغتيال الجنرال سليماني ــ لم تحقّق لأمريكا أهدافها النهائية.

فبدلًا من إنهاء نفوذ إيران، ساهمت كثير من تلك الصراعات في توسيع حضورها السياسي والعسكري، حتى باتت واشنطن نفسها تتحدَّثُ بلغة “الاحتواء” بدل “الحسم”، وبلُغة “إدارة الأزمة” بدل “فرض الإرادَة”، ووصلت إلى حدِّ أنها أُجبرت على التفاوض غير المباشر مع خصمها لوقف التصعيد.

صحيح أن إيران دفعت أثمانًا اقتصادية وبشرية باهظة، لكنها لم تسقط، ولم تنكسر، ولم تُعزل كما خُطط لها.

وَإذَا كانت أمريكا تمتلك القوة العسكرية الأكبر في العالم، فإن التجربة أثبتت أن التفوق العسكري وحدَه لا يكفي لتحقيق النصر السياسي.

فكم من قوة عظمى امتلكت السلاحَ وخسرت الإرادَة والمعركة معًا.

فالتاريخ مليء بإمبراطوريات دخلت الحروب بثقة المنتصِر، ثم خرجت منها مثقلةً بالخسائر والتراجع الاستراتيجي.

أخطر ما تواجهه أمريكا اليوم ليس فقط صعود خصومها، بقدر ما هو سقوط صورة الردع التي بنتها لعقود.

فحين تصل دولة محاصَرةٌ إلى مستوى القدرة على تحدّي القوة الأعظم في العالم، والاستمرار رغم كُـلّ أدوات الضغط، فإن ذلك يعني أن قواعدَ اللُّعبة الدولية بدأت تتغير، وأن عصرَ الهيمنة الأحادية لم يعد ثابتًا كما كان.

قد يختلف الناس في تقييمِ التجربة الإيرانية سياسيًّا أَو أيديولوجيًّا، لكن من الصعب تجاهُل حقيقة أن المواجهة الطويلة مع أمريكا انتهت إلى نتيجة لم تكن واشنطن تتوقعها:

إيران لم تسقط، ولم تنكسر، بل تحولت إلى مركز ثقل إقليمي قادر على التأثير وفرض المعادلات.

وهنا تكمُنُ “كش ملك” الحقيقية؛ ليس في إعلان نصر عسكري تقليدي، وإنما في إفشال مشروع الهيمنة ذاته، وتحويل القوة الأمريكية من أدَاة فرضٍ مطلق إلى قوةٍ تواجه حدودها للمرة الأولى أمام خصمٍ قرّر أن يقاتل بالنفس الطويل، لا بمنطق الصدمة المؤقتة.