اليوم السابع والسبعين (2) : اللاءات الإيرانية تصطدم بالرفض الأمريكي.. لبنان أمام “ورقة الاستسلام”، والميدان ينطق بالبارود!  

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي لمساء أمس الجمعة 15 أيار 2026:

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

ندخل مساء اليوم السابع والسبعين من الحرب، وقد بدأت ملامح “الصفقة الكبرى” التي رُسمت في بكين تتكشف، ليس كانتصار للدبلوماسية، بل كاصطفاف جديد للقوى تمهيداً لمرحلة أكثر عنفاً. الإدارة الأمريكية، العائدة من الصين، أبلغت طهران رسمياً برفض شروطها الخمسة جملة وتفصيلاً، لتُعيد بذلك عقارب الساعة إلى لحظة المواجهة المفتوحة.
لكن الخطورة القصوى لم تعد محصورة في مياه هرمز، بل انتقلت لزرع ألغام الحرب الأهلية في لبنان. ففي واشنطن، تُصاغ حالياً ما تُعرف بـ “ورقة إعلان النوايا” بين وفد السلطة اللبنانية و “إسرائيل”، في محاولة أمريكية خبيثة لسلخ بند لبنان عن المطالب الإيرانية، وتوريط الجيش اللبناني في مواجهة المقاومة تحت ستار “نزع السلاح”. في الميدان، لم تترك المقاومة مجالاً للتنظير؛ فعمليات اليوم تؤسس لمعادلة جديدة تسحق القوة المدرعة الإسرائيلية، مُثبتة أن سلاحها لا يُنزع في الغرف المغلقة، بل يحمي السيادة بالنار.

بصفتي محللاً جيوسياسياً، أضع بين يديك هذا التفكيك الشامل لمسارات اليوم، وفق تسلسل منطقي يُعرّي نوايا المحور المعادي ويقرأ مخرجات الميدان:

أولاً: الرفض الأمريكي لـ “اللاءات الخمس”.. وتلويح بالضوء الأخضر
الحدث الأبرز هذا المساء هو تأكيد المصادر الإيرانية استلام طهران للرد الأمريكي الرافض كلياً لشروط إيران الخمسة (وقف الحرب في الساحات، رفع العقوبات، تحرير الأموال، تعويضات، وإدارة هرمز).
1. أسباب الرفض ومحاولة “التفرد”: واشنطن تدرك أن القبول بهذه الشروط يعني إعلان هزيمة إستراتيجية وتسليم مفاتيح الشرق الأوسط لإيران. ترامب (الذي هاتف المستشار الألماني وأبلغه بضرورة كسر الحصار ومنع النووي)، يسعى لاستغلال نتائج زيارته لبكين لمحاولة إرغام إيران على التفاوض دون تقديم أثمان.
2. “الضوء الأخضر” الإسرائيلي: تقارير “معاريف” بأن إسرائيل تتأهب لقرار ترامب بضرب بنى تحتية ومنشآت نووية، وتلويح ترامب نفسه بأنه سيتدخل “إذا لم يحصل على غبار اليورانيوم”، يؤكد أن الخيار العسكري وُضع مجدداً على الطاولة. إسرائيل تستعجل هذا السيناريو، وتضغط عبر زيارات سرية (كزيارة رئيس الأركان أيال زامير للإمارات) لنسج تحالفات، إلا أن الإمارات—كما سربت بلومبرغ—أُحبطت لرفض الخليج التورط في هجوم منسق.

ثانياً: التحشيد الجوي واللوجستي.. الاستعداد للانفجار
التحركات الجوية الأمريكية المكثفة تُنذر بأننا في مرحلة “تعبئة ما قبل الصفر”:
* أسطول الناقلات (التناوب المستمر): رصد تبديل وتدوير طائرات KC-135R و KC-46A بين أوروبا وقواعد في “إسرائيل” والخليج، يدل على محاولة إدامة جسر التزود بالوقود لأطول فترة ممكنة، تحسباً لعمليات قصف طويلة الأمد.
* طائرات النقل الاستراتيجي (C-17): عودة الرحلات المكثفة بين الشرق الأوسط وأوروبا تعني إما سحب ذخائر محددة، أو ضخ معدات طوارئ للقواعد في المنطقة لحمايتها من الرد الإيراني.

ثالثاً: لبنان.. “ورقة الخيانة” ومحاولة افتعال الحرب الأهلية
إن أخطر ما يجري اليوم ليس القصف، بل ما يُحاك في كواليس المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن.
1. مضمون “إعلان النوايا” الكارثي: التسريبات التي تحدث عنها الصحفي حسن عليق، والتي أكدتها تسريبات أخرى، تُشير إلى أن ورقة “إعلان النوايا” تهدف لتطبيق بنود (16 نيسان) بأقسى صورها: حق إسرائيل بـ “حرية الحركة”، انسحاب تدريجي لعامين، والأخطر: “شروع الجيش اللبناني وتشكيل قوة خاصة لنزع سلاح المقاومة”.
2. الهدف الأمريكي: تسعى واشنطن لـ “سحب الورقة اللبنانية” من يد المفاوض الإيراني. الإستراتيجية هي: إظهار أن السلطة اللبنانية وافقت على خضوعها لإسرائيل، وبالتالي وضع إيران في حرج. والهدف الأعمق هو إشعال اقتتال داخلي يريح إسرائيل من عبء المواجهة المباشرة.
3. التماهي الرسمي اللبناني: الصمت المريب من قبل السلطة، وتمرير هذه البنود الاستسلامية، دفع إعلاميين مثل خليل نصرالله بوصف الحالة بـ “التمسح”، وحذر محللون من كارثة ستطال الجميع. الرد السياسي الوحيد جاء من بري لعون: “لا نقبل بوقف أحادي، والمطلوب انسحاب إسرائيلي وتوقف تجريف القرى”.

رابعاً: الميدان.. المقاومة تفرض سيادتها بالنار
بينما يُوقع وفد السلطة في واشنطن أوراق استسلامه، المقاومة توقع بالدم والإسمنت والحديد رسائل ترفض هذه الإملاءات:
1. استهداف “القوة المدرعة” والتصدي الجوي: عمليات اليوم (تدمير 3 دبابات ميركافا في تل نحاس والبياضة والطيبة، تدمير جرافتي D9 بعبوات ناسفة في حداثا، واستهداف قوة إسرائيلية تتسلل نحو مضخة مياه في الطيبة بعبوة وتغطية نارية) هي إعلان سيادة ميدانية.
المقاومة تصدت أيضاً بصواريخ “أرض-جو” للطائرات الإسرائيلية في الجنوب، لكسر وهم “حرية الحركة” الذي يُراد توقيعه.
2. تهشيم صورة الاحتلال: كما أشار الباحث علي مطر، هذه العمليات المصورة تُفكك السردية الإسرائيلية. إسرائيل اليوم عاجزة تماماً؛ فهي تعترف بأن صواريخ المقاومة وصلت كريات شمونة، وبأنها توزع “شباك صيد” على جنودها خوفاً من المسيرات! هجوم المقاومة في رأس الناقورة (الذي أصاب 3 مستوطنين وأغلق الشريط الساحلي) دفع جيش الكيان لاتهام الحزب بـ “تجاوز الخط الأحمر”، متناسياً مجازره في صور اليوم.
3. سقوط التبريرات الإسرائيلية (عقدة 8 أكتوبر): كلام نتنياهو بأنه كان عازماً على الهجوم منذ 8 أكتوبر يؤكد أن ما تتعرض له المقاومة ليس رد فعل، بل مشروع إبادة مبيت. وكما قال جنبلاط بوضوح: “نزع سلاح الحزب بالقوة مستحيل عسكرياً ولبنانياً”.

الخلاصة والمسار القادم
الأزمة تتجه نحو انسداد كامل. واشنطن، بعد رفضها اللاءات الإيرانية، تحاول تفكيك جبهات المقاومة بالسياسة (كما في لبنان)، لكنها تصطدم بحائط ميداني صلب.

المرجّح حتى هذه الساعة. فشل محاولات تمرير “ورقة إعلان النوايا” اللبنانية-الإسرائيلية، ليس فقط لرفض شعبي، بل لأن المقاومة ستُصعد من إيقاع عملياتها وتكثف ضرباتها (خاصة بمسيرات FPV)، لتثبت للمفاوض في واشنطن وتل أبيب أن الكلمة العليا للميدان. إيران، من جانبها، ستتمسك بمعادلة “رابح-رابح”، وستحافظ على سيطرتها المطلقة في هرمز (بدليل عبور السفن بتنسيق معها)، منتظرة أن يُنهك الاقتصاد الغربي الإدارة الأمريكية ويُجبرها على تقديم تنازلات حقيقية دون مكابرة.

وإلا نحن ذاهبون إلى قرار إسرائيلي-أمريكي بتفجير الموقف بالكامل؛ إسرائيل ستلجأ لتدمير شامل لمناطق مدنية واسعة في لبنان لتغطية فشلها التكتيكي، وترامب سيُعطي “الضوء الأخضر” لتوجيه ضربات نحو المنشآت الإيرانية المتبقية، وهو ما سيُفعل مباشرة الخيار الإيراني البديل: إغلاق هرمز نهائياً وتدمير إمدادات الطاقة، لندخل في حرب إقليمية مروعة يُدفع فيها ثمن “معادلة الخاسر” عالمياً.