من جمود الفهم إلى ميادين التغيير: “العمل الصالح” في الثقافة القرآنية كمنطلق لاستنهاض الأمة ومواجهة الطاغوت

البيضاء نت | تقرير خاص 

في زمن تبلدت فيه قيم الأمة وتراجعت فاعليتها الحضارية، باتت الحاجة ملحة للعودة إلى المنهل السخي للقرآن الكريم، لا للقراءة السردية المجردة، بل لاستنطاق النص وتحويله إلى منهجية حياة وتغيير، وتبرز الآية الكريمة: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} لتقدم القانون الإلهي الصارم الذي يربط نوال البشارة والتمكين الأخروي والدنيوي بحركية “العمل الصالح” المبني على قاعدة الإيمان الراسخ.

غير أن هذا المفهوم المحوري أصيب عبر القرون بنوع من الضمور والجمود بفعل الثقافات المغلوطة التي حصرت “العمل الصالح” في زوايا العبادات الفردية والطقوس التعبدية المعزولة عن واقع الأمة وصراعها مع الطاغوت. ومن هذا المنطلق، جاء المشروع المتكامل لـ”الثقافة القرآنية” الذي أسسه السيد حسين بدر الدين الحوثي، ليعيد صياغة الوعي الجمعي، وينتشل هذا المفهوم من جموده، معيداً توجيهه نحو ميادين التغيير الشامل، والاستنهاض الحضاري، ومواجهة قوى الاستكبار العالمي؛ فكيف قارب السيد القائد هذا المفهوم؟ وكيف تحول العمل الصالح في أدبياته من سلوك فردي إلى مشروع تحرري للأمة؟

تفكيك الجمود: العمل الصالح ليس مجرد طقوس معزولة

 

يرى السيد حسين بدر الدين الحوثي في أطروحاته وملازمه (كـ”معرفة الله” و”مسؤولية أهل البيت”) أن حصر الدين والعمل الصالح في الدائرة الشخصية كان ثغرة خطيرة نفذ منها أعداء الأمة لتكبيلها، ويوضح في نصوصه أن القرآن الكريم يربط دائماً بين الإيمان والعمل الصالح لتأكيد أن الإيمان طاقة دافعة لا تقبل الخمول.

ويشير في هذا السياق إلى أن:

“الإيمان في القرآن الكريم ليس حالة شعورية مستقرة في القلب دون أثر، بل هو حركة وتضحية ومسؤولية. والذين يريدون إيماناً بلا عمل، أو عملاً بلا موقف، هم يجهلون طبيعة الدين الذي جاء لإخراج الناس من الظلمات إلى النور.”

بناءً على ذلك، يتجاوز العمل الصالح في الرؤية القرآنية مفهوم المظاهر التعبدية الجافة ليصبح حركة ذكية واعية تسد ثغرات الأمة وتحمي سيادتها.

محددات “العمل الصالح” وفق نصوص الثقافة القرآنية

 

من خلال قراءة فكر السيد حسين بدر الدين الحوثي، يمكن تلمس معالم واضحة تحدد ماهية العمل الصالح وضوابطه، والتي تجعله جديراً بالبشارة الإلهية:

  • الارتباط بمواجهة الاستكبار (مواجهة الطاغوت): يرى السيد أن أعظم عمل صالح في عصرنا هو اتخاذ الموقف ضد قوى الطاغوت (أمريكا وإسرائيل وأدواتهما)، ويعتبر الصمت أو الحياد خروجاً عن خط العمل الصالح.

  • البناء والإنتاج والجهاد بالمال والنفس: لا يقتصر العمل على الجانب العسكري، بل يمتد ليشمل بناء اقتصاد الأمة، وتحقيق اكتفائها الذاتي، والجهاد التوعوي والإعلامي.

  • الابتغاء الخالص لوجه الله: حيث يشدد السيد في ملازمه على خطورة “العمل الارتجالي” أو العمل الذي يبتغي الشهرة والوجاهة، مؤكداً أن العمل الصالح يجب أن يكون منطلقاً من استشعار الرقابة الإلهية والمسؤولية أمام الله.

تكامل النعيم: ربط البشارة القرآنية بوعي الاستحقاق

 

عند الوقوف أمام النص القرآني {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، يربط التقرير بين هذا الجزاء وبين الطمأنينة الروحية والمادية التي يلمسها المؤمنون أثناء تحركهم في الدنيا.

يؤكد السيد حسين بدر الدين الحوثي في أدبياته أن الله سبحانه وتعالى يمنح العاملين والمجاهدين صبغة من الطمأنينة والنصر المادي والمعنوي في الدنيا، يكون نمطاً مصغراً ومقدماً للنعيم الأبدي، فالرزق في الجنة والتمكين في الدنيا هما امتداد لثمرة الجهد والصبر والثقة بالله التي عاشها المؤمنون في ميادين العمل والتحرك.

خارطة طريق عملانية لاستنهاض الأمة

 

لم تكن أطروحات السيد حسين بدر الدين مجرد تنظير فكري، بل تحولت إلى خارطة طريق رسمت ملامح التغيير في واقع المجتمع والتحرك العملي للأمة الإسلامية، وتتجلى هذه الخارطة في المسارات التالية:

مسارات التحرك العملي

التجسيد الواقعي في المشروع القرآني

الموقف والشعار

إعلان البراءة من أعداء الأمة كخطوة أولى وعمل صالح أساسي لكسر حاجز الخوف والصمت.

الوعي واستعادة الروحية

محاربة الأفكار الهدامة والمثبطة التي تدعو إلى القعود بانتظار الحلول الغيبية دون سعي ملموس.

التكافل والبناء الداخلي

تفعيل قيم الإحسان، ورعاية المستضعفين، والتحرك الجماعي لسد احتياجات المجتمع وتثبيت قيم التراحم.

خاتمة:


الاستجابة الواعية للمتغيرات، إن مفهوم “العمل الصالح” في الثقافة القرآنية – كما بلوره السيد حسين بدر الدين الحوثي – قد أحدث نقلة نوعية في العقلية الإيمانية، مخرجاً إياها من دائرة الانكفاء إلى فضاء التأثير الفاعل والمسؤول. إن البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار ليست جائزة مجانية للقعود، بل هي تتويج لملحمة من العطاء والصمود في وجه الطواغيت ومشاريع الاستكبار. ومن هنا، يغدو العمل الصالح بوعيه القرآني وبصيرته الميدانية هو طوق النجاة الوحيد للأمة المسلمة لاستعادة عزتها وسيادتها، واستحقاق الرعاية والإمداد الإلهي في الدنيا والآخرة.