اليوم الثامن والسبعين: ما بعد قمة بكين.. مكابرة ترامب، فخ البنتاغون في لبنان، ومقبرة المدرعات الإسرائيلية!  

التقدير الاستراتيجي والجيوسياسي لفجر السبت 16 أيار 2026:

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

ندخل فجر اليوم الثامن والسبعين للحرب، والمشهد الاستراتيجي يفرز واقعا جديدا بعد انتهاء قمة بكين. لقد تبددت سحب الدبلوماسية لتكشف عن مأزق أمريكي مزدوج؛ ففي حين يسوق الرئيس دونالد ترامب عبر شاشات التلفزة انتصارات وهمية عن تدمير إيران، تضج أروقة البنتاغون بخطط يائسة ومكلفة للسيطرة على جزيرة خارك كدليل على الفشل في فرض الرضوخ الجوي. وفي المقلب اللبناني، تكشف الخارجية الأمريكية عن مسار أمني خطير يهدف إلى تفخيخ الداخل اللبناني وجر الجيش إلى مواجهة مع المقاومة. لكن الميدان، من مضيق هرمز إلى تلال البياضة ورشاف، يرفض الإملاءات الورقية، ويفرض معادلاته بالنار عبر تدمير ممنهج للآلة العسكرية الإسرائيلية، واختراقات سيبرانية وملاحية تعري الحصار الأمريكي.

سأضع بين يديك هذا التفكيك الشامل لمسارات هذا الفجر، مستندا إلى التحولات العسكرية والسياسية الطارئة:

أولا: ما بعد بكين.. المكابرة الترامبية واليأس العملياتي في البنتاغون
انتهت زيارة ترامب للصين، وخرج في مقابلة مع فوكس نيوز ليقدم سردية منفصلة عن الواقع، مدعيا القضاء على إيران عسكريا وحصارها بالكامل. لكن هذه المكابرة تصطدم بمعطيات استخباراتية وعسكرية صارمة:
تسريبات نيويورك تايمز و إي بي سي نيوز تؤكد أن طهران لا تزال تمتلك قدرة صاروخية هائلة. الأخطر هو مناقشة البنتاغون لخيارات انتحارية مثل إرسال قوات خاصة برية للسيطرة على جزيرة خارك أو استخراج اليورانيوم. عسكريا، مجرد التفكير في استخدام قوات برية أمريكية يعني أن الحملة الجوية التي كلفت 29 مليار دولار قد فشلت في تحقيق شلل استراتيجي لإيران.
في بكين، لم يحصل ترامب على تنازل صيني مجاني. تحذير الرئيس شي جين بينغ بشأن تايوان، وتصريحه بأن نهضة الصين وأمريكا يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب، هو إجبار لواشنطن على الاعتراف بالتعددية القطبية. حديث ترامب عن شراء الصين للنفط الأمريكي هو محاولة تجارية لتغطية الفشل في انتزاع موقف صيني يضغط على طهران استراتيجيا.

ثانيا: فخ واشنطن في لبنان.. المسار الأمني وإعلان النوايا
بيان الخارجية الأمريكية حول تمديد وقف الأعمال العدائية 45 يوما، وإطلاق مسار أمني في البنتاغون في 29 مايو، هو الترجمة الحرفية لما حذر منه المتابعون حول إعلان النوايا بين إسرائيل ووفد جوزف عون.
الخطة الأمريكية-الإسرائيلية واضحة: عزل الجبهة اللبنانية عن المسار الإقليمي، واستخدام التمديد الزمني لزج الجيش اللبناني في صدام مباشر مع المقاومة تحت عنوان نزع السلاح وبإشراف لجنة ميكانيزم استخباراتية.
الرد السياسي اللبناني جاء حاسما عبر الرئيس نبيه بري، الذي اشترط ضمانات أمريكية إيرانية سعودية، مصوبا نحو تفريغ الفخ الأمريكي من محتواه، وتأكيدا على أن لبنان جزء من تسوية إقليمية كبرى، ولن يقبل بانسلاخه عن محور الردع لحساب أمن المستوطنات الإسرائيلية.

ثالثا: مقبرة المدرعات وتكتيكات الاستنزاف المميتة
بينما تخطط إسرائيل لانتصارات على الورق في واشنطن، تتآكل ألويتها في جنوب لبنان بشكل كارثي. المقاومة انتقلت من استهداف تجمعات المشاة إلى الإبادة المدرعة:
حصيلة الأمس وحدها تضمنت تدمير 3 دبابات ميركافا في تل نحاس والبياضة والطيبة، و4 جرافات D9 (بين رشاف وحداثا والبياضة)، وآليات هندسية وناقلات جند. المقاومة استخدمت تكتيك العبوات الناسفة المزدوجة لاصطياد الجرافات، ثم قصف القوات المساندة بالمدفعية.
اعتراف الجيش الإسرائيلي بإصابة 910 جنود ومقتل 18 منذ مطلع مارس (بينهم 190 إصابة في الأسبوعين الأخيرين فقط) هو إقرار بسقوط وهم المنطقة العازلة. لجوء سلاح الجو الإسرائيلي لتوقيع عقد بـ 35 مليون دولار لزيادة مدى طيران طائرات F-35 يعكس رغبة في الهروب من ساحة الجنوب المشتعلة نحو محاولة توجيه ضربات استراتيجية عن بعد، بعد فشل القوات البرية في تثبيت أي موقع.

رابعا: الخنق الجيواقتصادي وحرب السيبرانية المفتوحة
ادعاءات ترامب بإحكام الحصار البحري سقطت بالضربة القاضية في مياه هرمز والداخل الأمريكي:
بيانات تتبع السفن (بلومبرغ) رصدت عبورا سريا لـ 9 سفن عملاقة مؤخرا، بينها ناقلة يابانية (إينيوس إنديفور) وسفن محملة بالغاز البترولي المسال تتجه للهند. إيران تمارس سيادة انتقائية، تكسر الحصار الأمريكي عمليا وتسمح بمرور حلفاء الشرق.
على التوازي، كشفت سي إن إن عن اختراق قراصنة إيرانيين لأنظمة مراقبة خزانات الوقود في محطات البنزين الأمريكية. هذا التطور ينقل المعركة من مضيق هرمز إلى البنية التحتية المدنية داخل الولايات المتحدة، ويمثل رسالة ردع سيبرانية بأن أي استهداف للمنشآت الإيرانية سيقابله شلل في إمدادات الطاقة الداخلية الأمريكية.

الخلاصة والمسار القادم
الأرجح ستحاول الإدارة الأمريكية وإسرائيل استثمار مهلة الـ 45 يوما المعلنة في لبنان لفرض واقع سياسي وأمني جديد عبر الضغط الداخلي ومحاولة إحداث شرخ بين الجيش والمقاومة. على المستوى الإقليمي، ستلجأ واشنطن لسياسة الاحتواء التكتيكي وتقديم عروض سرية لطهران عبر قنوات خلفية لتجميد البرنامج النووي مقابل غض النظر عن تصدير النفط، تجنبا لرفع أسعار الطاقة قبل الانتخابات، وهو ما سيبقي المنطقة في حالة لاحرب ولاسلم مع استمرار عمليات الاستنزاف المضبوطة.
وإلا نحن ذاهبون إلى أن يتخذ ترامب ونتنياهو، هربا من الهزيمة الميدانية والسياسية، قرارا بكسر قواعد الاشتباك كليا. هذا الانفلات قد يترجم بمغامرة عسكرية يائسة كمحاولة إنزال قوات أمريكية في جزيرة خارك، أو هجوم إسرائيلي شامل ومفاجئ يستهدف العمق اللبناني بقسوة لفرض الاستسلام. هذه الحماقة ستشعل الرد الإيراني فورا بضربات صاروخية مدمرة على القواعد والممرات في الخليج، وتدمير ما تبقى من ألوية إسرائيلية في لبنان، محولة الشرق الأوسط إلى جحيم يحرق ما تبقى من نفوذ أمريكي وإسرائيلي في المنطقة.