في ذكرى يوم الغدير: «الولاية» كمنظومة أمن قومي وتحصين ضد الاختراق الخارجي
البيضاء نت | تقرير خاص
في وقت تشهد فيه المنطقة العربية والإسلامية إعادة تشكيل جذرية للتحالفات الجيوسياسية، وتصاعداً ملحوظاً في حدة الصراعات الثقافية والفكرية، تكتسب المناسبات الدينية ذات الأبعاد السياسية زخماً استثنائياً، وفي هذا السياق، أحيت أوساط إسلامية واسعة ذكرى “يوم الغدير الأغر” (يوم الولاية)، مستدعية الدلالات التاريخية للنص الديني لإسقاطها على الواقع المعاصر، وسط دعوات متزايدة لترسيخ هذا المفهوم كأداة للتحرر من الاستعمار الحديث بشتى أشكاله.
ويرى مراقبون أن الخطاب الإعلامي والسياسي المصاحب للمناسبة هذا العام تجاوز السرد التذكيري التقليدي، ليعيد تقديم “يوم الغدير” كمنظومة أمن قومي متكاملة ترتكز على محورين متلازمين: تأصيل الولاية الداخلية كصمام أمان قيادي، ومواجهة الهيمنة الأجنبية (الأمريكية-الصهيونية) كضرورة وجودية للتحصين ضد الاختراق الخارجي.
أولاً: البُعد التأسيسي لـ “يوم الغدير”.. سياقات البلاغ وإكمال الرسالة
تجمع القراءات الفكرية لحدث الغدير على أنه لم يكن مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل كان إعلاناً إلهياً حاسماً لضمان ديمومة الرسالة الإسلامية واستقرارها ومستقبلها السياسي والمعرفي.
وتستند القراءات التحليلية لهذا الحدث إلى لحظة التنزيل الحرج في سورة المائدة:
“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة: 67).
الأبعاد الفكرية لآية البلاغ:
-
ارتباط مصيري للرسالة: تؤكد الآية بصيغتها الحازمة أن عدم تبليغ مسألة “الولاية” والقيادة يعادل ضياع الجهد الرسالي كاملاً، مما يعني أن القيادة في الإسلام هي الركيزة التي تحفظ بقية الأحكام والتشريعات.
-
الحماية والضمانة الإلهية: الإشارة إلى العصمة من الناس (“والله يعصمك من الناس“) تدل على وجود عوائق ومقاومة مجتمعية وسياسية داخلية وخارجية كانت تخشى هذا الترتيب القيادي، لما يمثله من قطع لآمال المنافقين والطامعين في الانقضاض على الأمة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
-
مفهوم النعمة الكاملة: بربط هذا اليوم بآية إكمال الدين، يتضح أن الاستقرار السياسي والامتداد القيادي الشرعي هو شرط أساسي لتحقيق مفهوم “الأمة الشاهدة“.
ثانياً: فقه الموالاة والمعاداة.. التحذير القرآني من الاختراق الخارجي
في المقابل، يضع التقرير الضوء على الجانب التحذيري الذي ركزت عليه الفعاليات الثقافية والسياسية، والمتعلق بـ “الولاية السلبية” أو الانحراف بالولاء لصالح المشاريع الغربية والصهيونية. ويستدل الباحثون بالنص القرآني الصارم:
“يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة: 51).
ويشير خبراء في الفكر السياسي الإسلامي إلى أن هذه الآية تمثل “قانون الأمن القومي الأول” للأمة الإسلامية، حيث حددت بدقة خطورة التماهي مع المشاريع الاستعمارية.
مصفوفة التهديدات الناتجة عن الانحراف في الولاء:
نوع التهديد |
المظهر المعاصر |
النتيجة الكارثية |
التهديد السياسي |
التطبيع، والارتهان للمشاريع الأمريكية والصهيونية. |
سلب القرار السيادي وتحويل الحكومات إلى أدوات وظيفية لحماية مصالح الخارج. |
التهديد الفكري والثقافي |
الغزو الثقافي، تسييع القيم الغربية، واستهداف الأسرة. |
تمييع الهوية الإيمانية وإنتاج جيل فاقد للاعتزاز بحضارته. |
التهديد الاقتصادي |
الركود الاقتصادي الناتج عن الارتهان للمؤسسات النقدية الدولية. |
نهب الثروات الوطنية وتحويل الشعوب إلى مستهلكين تابعين. |
ملاحظة تحليلية: استخدام القرآن للتعبير “فإنه منهم” هو توصيف بنيوي وليس مجرد حكم مجرد؛ فالطرف الذي يربط مصيره السياسي والأمني بقوى الاستكبار العالمي يذوب تلقائياً في منظومتها ويصبح جزءاً من أدواتها في ضرب الأمة من الداخل.
ثالثاً: الواقع المعاصر وصراع الإرادات
يرى محللون سياسيون أن إعادة إحياء هذه المفاهيم في الوقت الراهن يأتي رداً طبيعياً على موجات التطبيع والهرولة نحو بناء تحالفات أمنية وعسكرية مع إسرائيل وبإشراف أمريكي.
وفي هذا السياق، تمثل ذكرى الغدير منصة لإطلاق مقاربة بديلة تتلخص في النقاط التالية:
-
بناء الجبهة الداخلية المتماسكة: إن الالتفاف حول قيادة تنطلق من معايير “الولاية الإيمانية” (العلم، الشجاعة، التقوى) يمنع نشوء الفراغ السياسي الذي يستغله الأعداء لتنفيذ أجندات الاختراق.
-
الفرز الواضح في المواقف: التأكيد على أن الصراع المعاصر في فلسطين، واليمن، وكافة قضايا المنطقة، هو تجسيد حي للصراع بين خط “الولاية لله ولرسوله وللمؤمنين” وخط “التبعية والعمالة لقوى الهيمنة“.
-
التحرر من عقدة النقص: يسعى هذا الفكر إلى ترسيخ الثقة بالذات الحضارية للمسلمين، والتأكيد على أن الأمة تمتلك من المقومات البشرية والجغرافية والاقتصادية ما يؤهلها للعيش بكرامة دون الحاجة للارتماء في أحضان المحاور الغربية.