بناء الإنسان وصناعة الموقف: القرآن الكريم بوصلة الوعي والتمكين في فكر القيادة القرآنية
البيضاء نت | تقرير خاص
في ظل الأمواج المتلاطمة من التحديات والأزمات الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تعصف بالأمة الإسلامية في عصرنا الراهن، يغدو البحث عن مخرج حقيقي ومنهج إنقاذي مسألة وجودية لا ترفاً فكرياً. إن الواقع المعاصر، المليء بمحاولات التدجين الثقافي والمسخ الهوياتي عبر آلات التضليل والحروب الناعمة، يفرض ضرورة العودة إلى أصل النبع ومكمن القوة، وتأتي الآية القرآنية المحكمة: {إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ} لتضع النقاط على الحروف، تختصر حقيقة الدين وجوهر الرسالة؛ فالقرآن الكريم ليس مجرد نصوص تُتلى للبركة أو تُحفظ في الرفوف، بل هو مشروع إلهي حي، متكامل، وكفيل بإعادة صياغة الإنسان وصناعة الأمة من جديد.
من هذه الرؤية الإستراتيجية الشاملة، انطلق “المشروع القرآني” المعاصر ليعيد قراءة الواقع على ضوء الوحي. ويتجلى هذا الفكر بوضوح في أدبيات ومحاضرات القيادة القرآنية، متمثلة في الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، والسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي، حيث يمثل القرآن في طرحهما حجر الزاوية لبناء شخصية مؤمنة، مستبصرة، وقادرة على فرز الأحداث واقتحام العقبات. فالهداية للتي هي أقوم تشمل كل مفاصل الحياة وعناصرها: الرؤية والموقف، الفكر والحركة، الوعي والتمكين؛ فبدون هذا الهدى يظل الإنسان يتخبط في دياجير الحيرة التائهة، والتبعية العقيمة.
المرتكزات الأساسية لبناء الشخصية القرآنية
يقدم القرآن الكريم صياغة متكاملة للإنسان، تنقله من حالة الشتات الفكري إلى الاستقرار النفسي والفاعلية الحركية. وتتحدد معالم هذا البناء في ثلاثة مستويات رئيسية:
-
الرؤية الصحيحة: يصحح القرآن نظرة الإنسان إلى ربه، والكون، والحياة، ونفسه، مما يحميه من السقوط في فخاخ التضليل والسطحية.
-
الموقف الحكيم والمسؤول: لا يقف القرآن عند حدود الوعي الذهني أو الإيمان القلبي الساكن، بل يترجمه إلى مواقف عملية شجاعة تتطلبها مواجهة الطواغيت ومشاريع الاستكبار.
-
الاتجاه والمسار المستدام: يوفر القرآن البوصلة الثابتة التي تضمن بقاء الإنسان والأمة في خط الهداية التصاعدي، بعيداً عن الانحرافات والتيارات الفكرية والسياسية الهدامة.
القرآن الكريم في منهج الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي
أعاد الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي الاعتبار للنص القرآني كدليل حركة ومواجهة، مخرجاً الأمة من حالة “الجمود الفكري” والقصور الثقافي الذي ران عليها لعقود طويلة.
-
الانتقال من التلاوة الساكنة إلى الهداية الحركية:
انتقد الشهيد القائد بشدة حصر القرآن في زوايا التبرك أو التلاوة الجافة دون التدبر الواعي والتحرك بموجبه. ودعا إلى التعامل مع القرآن ككتاب هداية يمتلك حلولاً واقعية واقتصادية وسياسية وعسكرية لمشاكل الأمة المعاصرة، مؤكداً أن القرآن هو القادر وحده على منح الإنسان “الفرقان” الذي يميز به بين الحق والباطل في زمن التزييف والتضليل.
-
التحرر من الثقافات المغلوطة والدخيلة:
يرى السيد حسين بدر الدين أن سبب وهن الأمة وضعتها يرجع بالأساس إلى ابتعادها عن المنهل الصافي للقرآن، واعتمادها على ثقافات وروايات مفخخة دجنت النفوس وقيدت الطاقات وصنعت القابلية للاستعمار. لذلك، ركّز على أن بناء الشخصية المؤمنة يبدأ بـ “التطهير الثقافي” والعودة الصادقة لثقافة القرآن لكسر قيود الخوف والتبعية.
الامتداد والتأصيل الفكري عند السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي
امتداداً وتعميقاً لهذا المنهج، يحرص السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في محاضراته الفكرية والرمضانية على تقديم الفهم القرآني بقالب عملي إجرائي يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة ومتغيراتها المتسارعة.
وفي هذا السياق، يرسم السيد القائد معادلة التمكين بعبارات حاسمة قائلاً:
“الرؤية الصحيحة، والموقف الصحيح، والاتّجاه الصحيح، والخيار الحكيم، المجدي، النافع، المفيد، لن نحصل عليه إلَّا من خلال هدى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، من خلال القرآن الكريم، أرقى رؤية، وأرقى طريقة، وأكمل ما ينبغي أن نتحَرّك على أَسَاسه من مفاهيم وأسس صحيحة، نحصل عليها من خلال القرآن الكريم، كتاب الله”.
أبعاد الطرح المتكامل للسيد عبد الملك:
-
التكامل بين الوعي والموقف: يركز السيد القائد على أن الوعي القرآني هو السلاح الأقوى والإستراتيجي في مواجهة “الحرب الناعمة” ومحاولات تمييع الهوية الإيمانية والشباب المسلم.
-
الحركية والفاعلية المنتجة: يرى أن الشخصية المؤمنة التي يصنعها القرآن هي شخصية مبادرة، فاعلة، ومثمرة، ترفض الخنوع والاستسلام، وتتحرك على أساس المسؤولية والجهاد والبناء.
-
بناء “الأمة القرآنية” النموذجية: يتجاوز تناول السيد القائد مجرد إصلاح الفرد المعزول إلى صياغة وتشييد “الأمة القرآنية” المتماسكة التي تمتلك القوة، والاكتفاء الذاتي، والعزة، والمنعة في مواجهة المستكبرين.
جدول مقارن: أبعاد الهداية القرآنية وآثارها الواقعية
البُعد القرآني |
الأثر في بناء الشخصية المؤمنة |
الانعكاس على واقع الأمة والمجتمع |
{يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ} |
صياغة نفسية سوية، شجاعة، وذات وعي وبصيرة عالية لا تهزها العواصف. |
بناء مجتمع متماسك، عزيز، ومحصن كلياً ضد الاختراق الثقافي والأمني. |
أرقى رؤية وأكمل طريقة |
التحرر من الحيرة، الارتباك، والتردد في اتخاذ القرارات المصيرية. |
امتلاك مشروع حضاري مستقل ومستند إلى الهوية الإيمانية الأصيلة. |