تل أبيب تتجرع كأس التخلي  

ملحق الثلاثاء 16 حزيران 2026

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

في قراءة لمسار اليوم التاسع بعد المئة، تبرز دروس وعبر تتجاوز تفاصيل البنود والخرائط، لتؤسس لمفاهيم جديدة في العلاقات الدولية وإدارة الصراع، وسط تخبط أمريكي-صهيوني غير مسبوق، ويقين وثبات في محور المقاومة.

أولاً: نموذجان متناقضان للتحالفات.. مشاهد كابول تتكرر في تل أبيب
قدمت هذه الحرب نموذجاً جديداً ينسف كل السرديات الغربية حول التحالفات الاستراتيجية. فقد أثبتت واشنطن مجدداً أنها تتعامل مع حلفائها كأدوات وظيفية مؤقتة تُرمى عند تبدل الحسابات. والمفارقة التاريخية اليوم أن مشهد المتشبثين بإطارات الطائرات الأمريكية الهاربة من أفغانستان، انسحب معنوياً وسياسياً على “إسرائيل” نفسها، التي طالما اعتبرت درة التاج الغربي.
لقد تخلت الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب عن تل أبيب ببراغماتية باردة لحماية مصالحها وممراتها المائية. في المقابل، قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نموذجاً استثنائياً في الوفاء والالتزام الاستراتيجي؛ إذ رفضت منذ الطلقة الأولى مقايضة الساحة اللبنانية، وأصرت على دمجها في صلب الاتفاق كشرط لا تراجع عنه، متحملة كلفة باهظة وتهديدات بحرب شاملة، لتثبت أن محورها يقوم على العقيدة والمصير المشترك، لا على المصالح الظرفية.

ثانياً: زلزال الكيان الداخلي.. إحباط يفوق انكسار حرب تموز 2006
تعيش المنظومة الإسرائيلية حالة من الجلد الذاتي والانهيار المعنوي تتجاوز ما حدث في حرب لبنان الثانية. وكما أشار المحلل العسكري الإسرائيلي يوسي يهوشع، فإن إحباط 2006 كان مبرراً بفشل الجيش، أما اليوم، فرغم الأداء التكتيكي العالي لجيشهم واستخباراتهم، جاءت النتيجة السياسية لتشكل “الكارثة المطلقة”.
لقد اعترفت صحيفة “إسرائيل اليوم” بسقوط كافة أهداف 7 أكتوبر المعلنة؛ فلا حماس نُزعت أسلحتها، ولا حزب الله هُزم، والمواجهة مستمرة. وتجلت ذروة الانكسار باعتراف قائد سلاح الجو الإسرائيلي اللواء عمر تيشلر، بأن هجوماً واسعاً بمئات الطائرات لضرب عمق إيران تم إلغاؤه وتكبيله بأوامر أمريكية قبل ساعة واحدة فقط من الإقلاع، مما يثبت أن الكيان فقد قراره السيادي بالكامل.

ثالثاً: هلوسات ترامب وصفعاته المذلة لنتنياهو
أظهرت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخبطاً سياسياً واستخفافاً مهيناً بحليفه نتنياهو. فإلى جانب توبيخه العلني لإسرائيل على استهداف الضاحية وتأكيده أن الاتفاق النووي مع إيران “يمكن أن يصمد”، أطلق ترامب فكرة عبثية تعكس جهله بتعقيدات المنطقة، مقترحاً أن “تتولى سوريا أمر حزب الله”؛ وهو ما أثار سخرية الإعلام العبري، حيث وصفه الصحفي الإسرائيلي آرون أبروموفيتش بـ”الأبله”، متسائلاً كيف لجيش واجه أقوى جيوش المنطقة لثلاث سنوات ولم يُهزم أن يُقضى عليه بهذه السذاجة. بل وبلغ غضب ترامب حد التلويح بإقالة كبار مسؤولي إدارته، كوزير الدفاع ورئيس الاستخبارات، لمعارضتهم الاتفاق.

رأبعاً: رسائل الوفاء من بيروت.. وإسقاط الفتن
في خضم هذا المشهد، جاءت رسالة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إلى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، لتلخص حكاية الوفاء، واصفاً إيران بـ”أيقونة العزة والشرف”، ومؤكداً أنها أعطت المقاومة كل شيء ولم تأخذ منها شيئاً، وبذلت دماءها لحماية لبنان.
هذا التلاحم قابله ارتياح إقليمي، عبر عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أكد فشل مخططات زرع الفتنة بين الأتراك والعرب والفرس، معتبراً الاتفاق انتصاراً للمنطقة بأسرها.

الخلاصة والتحذير الأخير
إن إقرار واشنطن بتخفيض أسعار نفطها، وترقبها لفتح مضيق هرمز، لا يعني أن المعركة انتهت بالكامل، بل هي استراحة محارب تفرضها موازين القوى الجديدة.
لذا، يجب أن يكون واضحاً للجميع: أي حماقة إضافية يرتكبها ترامب، سواء بمحاولة الالتفاف على بنود الاتفاق، أو الفشل في لجم التمرد الإسرائيلي المستمر وقصف القرى الجنوبية، ستؤدي حتماً إلى تفعيل بند العقاب الإيراني. هذا يعني العودة الفورية لتهديد إغلاق مضيق هرمز بالكامل، أو توجيه ضربات قاصمة ومباشرة للكيان، مما سيؤدي إلى نسف أو تأجيل مراسم التوقيع المقررة في سويسرا يوم الجمعة.
وقتها سيظهر للعالم أجمع، وبلا أدنى شك، أن المعرقل الأوحد للسلام هي إسرائيل، لتغرق في عزلتها الدولية يوماً بعد يوم. وإن أصر العدو على البقاء داخل الأراضي اللبنانية أو مواصلة دك قراه، فإن المقاومة الإسلامية لن تقف مكتوفة الأيدي البتة؛ واليقين بالنصر لا يتزعزع، والأصبع سيبقى بقوة على الزناد حتى اندحار آخر جندي صهيوني عن ترابنا الطاهر.