كربلاء الحاضر وعطش السيادة.. طهران تخنق “هرمز” وخطاب ناري يكسر أوهام نتنياهو  

الجمعة 26 حزيران/يونيو 2026 (اليوم الـ 119 للحرب والـ 9 لمذكرة التفاهم)

البيضاء نت | تقرير طلال نخلة 

لم يكن يوم الجمعة 26 حزيران يوماً عادياً في الروزنامة الإقليمية. تزامن انقضاء مراسم اليوم العاشر من محرم مع تصعيد خطابي وميداني وضع المنطقة على صفيح ساخن. وكما لخّص د. محمد حسن سويدان في مقاربته العميقة: “لم أرَ يوماً أن معركتنا مع إسرائيل هي معركة أرض فقط، بل هي دفاع عن الكرامة والحق في الحياة العزيزة”.
هذا اليوم شهد اصطداماً مباشراً بين “منطقين لن يلتقيا”: منطق المقاومة وإيران الذي يستند إلى سيادة كاملة ورفض لأي احتلال مقنع، ومنطق نتنياهو المدفوع بغريزة البقاء السياسي، والذي يرفض الانسحاب من لبنان ويراهق لجر المنطقة إلى تفجير واسع لنسف اتفاق ترامب، بالتوازي مع هندسة إيرانية دقيقة لخنق شرايين الملاحة في “هرمز” وتأديب الأساطيل الغربية.

 

أولاً: رسائل “هرمز” النارية.. لا عبور آمناً بمعزل عن طهران

ترجمةً للبند الخامس من مذكرة التفاهم، قطعت الدبلوماسية الإيرانية (المدعومة بقدرات حرس الثورة) الطريق على محاولات واشنطن ودول الخليج للالتفاف على دور طهران:
* احتكار المسارات: أكد الحرس الثوري بشكل قاطع أن المسارات الوحيدة المسموح بها للعبور عبر مضيق هرمز هي تلك التي تحددها إيران حصراً. وشدد نائب وزير الخارجية الإيراني على أنه “لا ضمان للعبور الآمن عبر مسارات موازية أو قرارات تتخذ بمعزل عن طهران”، محذراً من أن أي إطار عمل يجب أن يتم بالتنسيق مع بلاده وإلا فستُعلّق المسارات المتبعة.
* خط الاتصال الساخن: كشفت قناة “برس تي في” عن إنشاء خط اتصال مباشر (إيراني-أمريكي) في المضيق تنفيذاً لـ “مذكرة إسلام آباد” لتفادي الاحتكاك العسكري.
* تهديد مقر “خاتم الأنبياء”: في رسالة تحذيرية شديدة اللهجة لدول المنطقة وواشنطن، اعتبر مقر الدفاع الجوي الإيراني “خاتم الأنبياء” أن تحليق الطائرات العسكرية الإسرائيلية في أجواء دول مجاورة يمثل “تهديداً مباشراً”، مؤكداً حق طهران في الرد العنيف إذا عجزت أمريكا عن كبح جماح الكيان.
* الخسائر الأمريكية العميقة: كشفت “وول ستريت جورنال” أن الأضرار الواسعة التي ألحقتها الضربات الإيرانية بالقاعدة البحرية الأمريكية في البحرين (إلى جانب 20 موقعاً آخر)، دفعت البنتاغون لإعادة تقييم وجوده وتقليص قواته في الكويت والسعودية ونقل قواعده بعيداً عن مرمى الصواريخ الإيرانية، مما يؤكد تآكل قوة الردع الأمريكية.

 

ثانياً: خطاب الشيخ نعيم قاسم.. 5 مرتكزات للمرحلة الجديدة

مع انتهاء مراسم عاشوراء، أطل الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بخطاب مفصلي وعالي السقف، رسم فيه قواعد الاشتباك للمرحلة الجديدة:
1. الانسحاب الشامل والسيادة الكاملة: لا قيد أو شرط، ولا يحق لأحد تقديم تنازلات. السقف هو سيادة لبنان ومقررات 27 تشرين الثاني 2024.
2. إيقاف العدوان كلياً: براً، بحراً، وجواً.
3. المقاومة كعماد للتحرير: أكد أن محور المقاومة وإيران قد كسرا المشروع الأمريكي-الإسرائيلي للإلغاء، وأن المقاومة مستمرة بقرارها وإمكاناتها لأنها تمثل إرادة الشعب والأرض.
4. توبيخ السلطة اللبنانية: وجه رسالة حازمة للسلطة بالتوقف عن تنفيذ الإملاءات الأمريكية، مؤكداً أنه لا تطبيع ولا “حضور جزئي” إسرائيلي على أرض لبنان، وأن المقاومة تمد يدها لبناء الدولة شرط الالتزام بمسار السيادة وعدم استغلال المفاوضات لنزع سلاحها إرضاءً لواشنطن.
5. الاستراتيجية الدفاعية مؤجلة: أبدى استعداد الحزب لدراسة استراتيجية وطنية للدفاع، ولكن حصراً في مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل.

 

ثالثاً: مفاوضات واشنطن وفخ “المناطق التجريبية”

في البنتاغون، تتكشف النوايا الحقيقية لمسار واشنطن، والذي تحول إلى فخ أمريكي-إسرائيلي لزرع الشقاق الداخلي:
* انسحاب الوفد العسكري اللبناني: تدخل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو شخصياً بعد تعثر المفاوضات بسبب صلابة الوفد العسكري اللبناني ورفضه للمقترحات التي تمس السيادة (كرفضه توسيع المناطق التجريبية لتشمل شمال الليطاني). أدى ذلك إلى إخراج الوفد العسكري والإبقاء على الوفد السياسي التابع للسلطة.
* “إعلان نوايا” خبيث: وافق الوفد السياسي اللبناني (الخاضع لضغوط أمريكية) على مسودة خطيرة تهدف إلى:
* فصل مسار لبنان عن المسار الإيراني.
* ربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله في كل لبنان (وليس فقط جنوب الليطاني).
* إخضاع الجيش اللبناني للرقابة الأمريكية، دون وجود جدول زمني للانسحاب أو التزام إسرائيلي نهائي بالتراجع عن الأراضي المحتلة.
* توسع الاحتلال والتفاف أمريكي: في تماهٍ مع هذه المهزلة، وسّع الكيان الإسرائيلي ما يسميه “الخط الأصفر” ليشمل بلدات برعشيت، المنصوري، ومجدل زون، في محاولة لفرض أمر واقع احتلالي بضوء أخضر سياسي لبناني ضعيف.

 

رابعاً: هستيريا نتنياهو ودماء الجنوب.. متى ينتهي التفلت؟

يواصل بنيامين نتنياهو العزف على وتر الحرب الوجودية، متحدياً الإرادة الأمريكية والإقليمية:
* إصرار على الاحتلال: أعلن بوضوح: “أصدرت تعليمات للجيش بحرية العمل في لبنان.. ولن ننسحب من جنوب لبنان وسنبقى فيه طالما تطلب الأمر”، وهو موقف تبناه وزير دفاعه كاتس الذي هدد إيران قائلاً إنها “سترتكب أكبر خطأ في تاريخها” إذا هاجمت إسرائيل.
* الخسائر والإجرام الميداني: أعلن جيش الاحتلال إصابة 4 عسكريين (بينهم ضابطان) باشتباك بطولي نفذه مقاوم (ألقى قنبلة يدوية) في بلدة بيت ياحون ليل أمس. وفي رد انتقامي، ارتكب الاحتلال جرائم جديدة اليوم عبر غارات استهدفت مدنيين في النبطية الفوقا، وزعم استهداف 7 مسلحين، بالإضافة إلى حادثة خطف 4 مواطنين في بلدة عين عرب، مما يثبت عدم التزامه بأي تهدئة.

 

خامساً: الرؤية الاستشرافية للسيناريوهات القادمة

المنطق الاستراتيجي يقول إن حالة “اللا حرب واللا سلم” لا يمكن أن تستمر. نتنياهو يعمل على جبهتين: ترسيخ الاحتلال جنوباً لإنقاذ مستقبله السياسي (خاصة بعد انتهاء شهادته بملفات الفساد)، وإضعاف ترامب عبر نسف المفاوضات.

السيناريوهات المرتقبة:

1. تفعيل “آلية خفض النزاع” بالإكراه: إذا استمر نتنياهو في خروقاته، فإن طهران ستخرج من الآلية الخماسية بمجرد إعلان حزب الله فشل الاتفاق، لتنتقل للمرحلة الثانية المتمثلة في خطوات عقابية تصاعدية في مضيق هرمز وما بعده، مما سيجبر الولايات المتحدة (التي تحتاج للهدوء الاقتصادي) على ضرب نتنياهو سياسياً وإلزامه بالانسحاب.

2. عودة الزخم العسكري للمقاومة: مع انتهاء عاشوراء، انتهت فترة الصبر الاستراتيجي للامتصاص. من المتوقع أن ترد المقاومة بشكل تكتيكي مدروس ومؤلم على الحافة الأمامية، لاستهداف تجمعات جيش الاحتلال ومنعه من تثبيت “المناطق التجريبية” بقوة النار، مما يُفشل مسودة “إعلان النوايا” التي وقعها الوفد السياسي في واشنطن.

3. الصِدام الإسرائيلي-الأمريكي الداخلي: سيحاول ترامب (الذي تباهى بتخفيض أسعار النفط ووعد مزارعيه بأموال إيرانية) ممارسة ضغط غير مسبوق على نتنياهو، قد يصل إلى التهديد بوقف إمدادات ذخيرة محددة، لمنع انهيار إنجازه الدبلوماسي الذي يسوقه للانتخابات.

 

الخلاصة:

نحن أمام أيام مفصلية. المقاومة اللبنانية، متسلحة بدعم إيراني صلب وورقة “هرمز” الخانقة، لن تقبل بأقل من الانسحاب الشامل. أما السلطة اللبنانية التي استجابت للضغوط الأمريكية في واشنطن، فقد وضعت نفسها في مواجهة مباشرة مع بيئة المقاومة وحقائق الميدان. الأيام القادمة ستحسم الكلمة الأخيرة: هل يخضع نتنياهو لعصا ترامب وخنق هرمز، أم يغامر بحرق المنطقة بأكملها للنجاة بنفسه؟