في ميزان القرآن والواقع: كيف تُدمر ‘الكلمة الخبيثة’ استقرار المجتمعات؟
البيضاء نت | تقرير خاص
في زمن تتشابك فيه وسائل الإعلام وتتعدد منابر النطق الرقمية والواقعية، تبرز “الكلمة” كأقوى العوامل صياغةً لوعي الشعوب أو تزييفاً له؛ وإذا كان البناء القويم يقوم على الكلمات الصادقة، فإن الهدم والخراب يبدآن بـ “الكلمة الخبيثة”،وهذا التوصيف ليس مجرد قراءة عابرة، بل هو حقيقة قرآنية وواقعية تتجلى في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}.
في هذا التقرير، نضع الكلمة الخبيثة في ميزان القرآن والواقع، مستشهدين بالقراءات الإيمانية والواقعية، ولا سيما ما تقدمه القيادة من موجهات تحذيرية حول الأثر الهدام لهذه الكلمة في سياق المواجهة الشاملة والحفاظ على تماسك الأمة.
التشريح القرآني: شجرة الشوك وأذية بلا قرار
عند تدبر الآية الكريمة، نجد أن الله سبحانه وتعالى شبّه الكلمة الخبيثة (سواء كانت كلمة كفر، أو ضلال، أو إشاعة المرجفين، أو تخذيل المثبطين) بـ “الشجرة الخبيثة” كشجرة الشوك؛ فهي:
-
عقيمة النفع: لا تقدم ثماراً تبني العقول أو تحمي الأوطان.
-
قبيحة الأثر: تؤذي كل من يقترب منها بنشر البغضاء والفرقة.
-
فاقدة للاستقرار: {اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ}، فهي لا تمتلك أصولاً من الحق تدعمها، وإنما تعتمد على الزيف والتهويل، ومآلها الحتمي هو السقوط والزوال، لكن خطورتها تكمن في حجم الأذى والسموم التي تنفثها قبل اجتثاثها.
الكلمة الخبيثة في موجهات السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي: أداة الحرب الناعمة واستهداف الجبهة الداخلية
في قراءة واقعية ومسؤولة للنص القرآني، يركز السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي في الكثير من محاضراته وخطاباته التوعوية على خطورة “الكلمة” ومسؤوليتها أمام الله، معتبراً أن الكلمة الخبيثة والمضللة هي السلاح الأبرز الذي يعتمد عليه الأعداء اليوم في حربهم ضد الأمة.
ويمكن تلخيص أبرز ما تناوله السيد القائد حول هذا الموضوع في النقاط التالية:
-
الكلمة كأداة في “الحرب الناعمة”: يؤكد السيد عبدالملك أن قوى الاستكبار (أمريكا وإسرائيل وأدواتهم) لم تعد تعتمد على الآلة العسكرية فحسب، بل تصب ثقلها في “الحرب الناعمة والنفسية” التي تقوم أساساً على الكلمة الخبيثة والمضللة، والهدف منها هو السيطرة على الفكر والنفوس، وتجريد الأمة من هويتها الإيمانية وقيمها الفطرية.
-
التثبيط ونشر الإحباط: يرى السيد أن من أخطر تجليات “الشجرة الخبيثة” في الواقع المعاصر هي كلمات التخذيل والتثبيط التي تهدف إلى كسر الروح المعنوية للشعب، والتشكيك في مواقف الحق، وزرع اليأس والوهن في قلوب الأحرار لتهيئة الأمة للاستسلام أمام الطغاة.
-
استهداف الجبهة الداخلية بإثارة الفتن: يحذر السيد مراراً من الكلمات التي تسعى لتفريق الصف الداخلي وإثارة الخصومات البينية والنقاشات العقيمة، معتبراً أن أي كلمة تؤدي إلى خلخلة التماسك الاجتماعي أو إثارة النعرات والمشاحنات هي خدمة مجانية ومباشرة للأعداء، وتطبيق عملي لمفهوم الكلمة الخبيثة الهدامة.
-
المسؤولية الإيمانية للإعلام وأصحاب الأقلام: يشدد السيد على أن الكلمة مسؤولية يحاسب عليها المرء يوم القيامة، ويدعو الإعلاميين والناشطين وكل من يملك منبراً إلى الحذر الشديد من إطلاق التخرصات أو تبني الشائعات، مؤكداً على وجوب تحري “التثبت” والتبين كمبدأ قرآني أصيل لحماية المجتمع من سموم الشجرة الخبيثة.
تجليات الواقع: كيف يترجم الزيف إلى دمار مجتمعي؟
في واقعنا المعاصر، تحولت الكلمة الخبيثة عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى عواصف مدمرة. فالشائعة التي تُطلق بلا تثبت، أو المقال الذي يحرض على الكراهية، أو المنشور الذي يشكك في التلاحم الوطني، كلها مظاهر لشجرة الشوك التي تجتث السلم الأهلي:
-
النفسية المجتمعية: تولد الكلمة الخبيثة حالة من القلق والاضطراب وفقدان الثقة بين أفراد المجتمع.
-
تفكيك الروابط الأسرية والاجتماعية: كم من جفوة ونزاع نشأ بين أبناء المجتمع الواحد بسبب نقل الكلام الكاذب والتحريش الشيطاني.
-
إعانة المعتدي: حين تصبح الكلمة الخبيثة بوقاً يردد أراجيف العدو، فإنها تسهم مباشرة في إضعاف الموقف العام وتخدم أجندات قوى الهيمنة.
سبل المواجهة واجتثاث “شجرة الشوك”
إن حماية المجتمع واستقراره من أثر الكلمة الخبيثة تتطلب دافعاً إيمانياً ووعياً عملياً يتحرك على مسارات عدة:
-
التزام التثبت والتبين: مصداقاً لقوله تعالى {فَتَبَيَّنُوا}، لقطع الطريق أمام الشائعات الطائرة.
-
تعزيز الوعي والبصيرة: لفرز الكلمات ومعرفة الغايات الكامنة وراءها، وعدم التأثر بأبواق التثبيط والتضليل.
-
ترسيخ الكلمة الطيبة: مواجهة الشجرة الخبيثة لا تكون بالصمت فحسب، بل بغرس “الشجرة الطيبة”؛ بكلمة الحق، والموقف المسؤول، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ونشر قيم التآخي والوحدة.