خناق “هرمز” يُجمّد مفاوضات الدوحة.. و”نبيه بري” يُشهر الفيتو الميثاقي في وجه صك واشنطن
اليوم الرابع عشر بعد المئة للحرب – اليوم الثالث عشر لمذكرة التفاهم – الثلاثاء 30 حزيران 2026
المشهد الاستراتيجي العام: عسكرة ممرات الطاقة وانسداد قنوات المناورة
البيضاء نت | تقرير طلال نخلة
تتجه المنطقة بخطى متسارعة نحو حالة من “الشلل الاستراتيجي” المحسوب، حيث تفرض طهران معادلة الندّية النارية لفرض شروطها وتسييل أصولها بالقوة الصلبة، بالتزامن مع تفجّر أزمة ميثاقية ودستورية حادة في بيروت تعزل “اتفاق واشنطن” وتجرده من الحاضنة الوطنية. لقد دخلت الساحة الإقليمية جولة جديدة من كسر الإرادات؛ فبينما تحاول واشنطن وتل أبيب شرعنة احتلال الجنوب اللبناني عبر بنود الملحق الأمني السري لإنقاذ ائتلاف نتنياهو المأزوم، جاءت الردود النارية للمقاومة في الميدان لتثبت بالدم والحديد أن جغرافيا الثغور لا تُرسم في أروقة البنتاغون، بالتوازي مع إطباق سيادي إيراني خانق على مضيق هرمز وضع قطار التسوية الدبلوماسية أمام حائط مسدود.
أولاً: جبهة هرمز ومفاوضات الدوحة.. فيتو الأموال واختناق سلاسل الإمداد
خلافاً للتسريبات الأمريكية التي حاولت إشاعة مناخات من التهدئة الافتراضية، اصطدم المسار الدبلوماسي الرباعي الليلة بجدار الشروط الإيرانية المتصلبة، واضعة تفاهمات سويسرا على محك السقوط:
* انفجار لغم الأموال المجمدة والتفتيش المتخيل: وضع المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري الإصبع على الجرح الاستراتيجي، معلناً صراحة أن مسألة الـ 6 مليارات دولار من الأموال المجمدة لم تُحوّل إلى طهران حتى الآن، وأن المسار محكوم بتطور التفاوض المشروط مع واشنطن، في وقت يستعد فيه كوشنر وويتكوف للوصول إلى الدوحة لمقاطعة الأوراق. وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي محمد صالح صدقيان أن تصريحات الدوحة تؤكد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود؛ إذ لن تمنح طهران ترامب أي انفراجة ملاحية أو نووية ما لم تُعالج ملفاتها المالية والسيادية أولاً، وهو ما يمهد لاستئناف الحرب الشاملة.
* بزشكيان يقفل التنازلات وبقائي ينفي الاجتماعات: حسم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان السقف السيادي معلناً: “لن نتراجع في المفاوضات مع واشنطن عن حقوقنا ومبادئنا الوطنية تحت أي ظرف، والعدو عجز عن إخضاعنا رغم الضغوط”، مؤكداً أن جميع المراحل تجري بالتنسيق الكامل مع المرشد الأعلى. بدوره، خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي لينفي بشكل قاطع وجود أي اجتماع مع المسؤولين الأمريكيين في الأيام المقبلة، مجدداً اتهام دول الناتو بانتهاك القانون الدولي والمشاركة العضوية في الحرب غير الشرعية ضد إيران بتصريحات مارك روته.
* تغيير مسارات المضيق والحظر الفعلي: أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي عقب الاجتماع الأول لـ “لجنة هرمز” المشتركة في مسقط، أن طهران أبلغت سلطنة عمان رسمياً بضرورة تغيير المسارات الملاحية في مضيق هرمز، مؤكداً أن الوضع لن يعود كما كان قبل الحرب، وأن الملاحة تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، حيث رصدت بيانات شركة “كبلر” و”بلومبيرغ” عبور نحو 24 سفينة فقط يوم الاثنين عبر الممر الإيراني الحصري وبسعر نفط أقل من قيمته الحقيقية بسبب تخوف المشترين من تجدد العقوبات.
* استئناف رحلات دبي واشتعال الأمن الداخلي: رصدت “نيويورك تايمز” استئناف شركتي طيران إيرانيتين رحلاتهما بين طهران ودبي لأول مرة منذ فبراير الماضي، في خطوة براغماتية تفصل الملفات الاقتصادية عن العسكرية مع الإمارات التي تلقت أكبر نسب ضربات مسيرة في الحرب. وداخلياً، نجح الحرس الثوري (مقر حمزة سيد الشهداء) في تدمير وتفكيك خلية إرهابية انفصالية في المرتفعات الجبلية لمحافظة أذربيجان الغربية وقتل 4 من عناصرها، بالتزامن مع سقوط شهيدين من الحرس الثوري في اشتباك مسلح بمدينة باوة الحدودية غربي البلاد.
ثانياً: تفكيك “الملحق السري” لـعقد الإذعان وانبطاح بعبدا
تزامناً مع غليان الميدان، كشفت التقارير الدبلوماسية المسربة من أروقة البنتاغون عن النص الكامل والمفصل لما يُسمى “الملحق الأمني” للاتفاق الثلاثي الموقع بين سلطة بعبدا والعدو الإسرائيلي، وجاء النص ليفضح حجم التنازل والانبطاح التاريخي الذي مارسه جوزيف عون وفريقه، حيث تضمن الملحق بنوداً كارثية:
* تفاصيل بند “تطهير القرى”: ينص الملحق على إطلاق “منطقة تجريبية أولى” في قطاع الليطاني الجنوبي عبر أربع خطوات تبدأ بتطهير المنطقة من السلاح، وتدمير الأنفاق ومراكز القيادة التابعة للمقاومة، والتحقق من التطهير عبر “جهة ثالثة”، وصولاً لانتشار الجيش اللبناني وإعادة الإعمار.
* تقييم إسرائيلي مهين للجيش: كشف المعلومات أن الملحق السري يمنح إسرائيل دوراً حاسماً للإشراف على عمل الجيش اللبناني، وإعطائه الخرائط، وإخضاعه لامتحان تقييمي لتحديد ما إذا كان ينجح أم يرسب، مع منح ضباط الاحتلال حق التجول في مناطق انتشار الجيش لوضع العلامات النهائية.
* اعترافات كاتس الوقحة بنسف الوعود: أفرغ وزير حرب الاحتلال يسرائيل كاتس الاتفاق من مضمونه التجميلي، معلناً صراحة أنه اتفق مع قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) على عدم الانسحاب من المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة. وأكد كاتس بوقاحة أن “المناطق التجريبية (المحررة أساساً مثل فرون وزوطر والغندورية) التي ستُسلم للجيش اللبناني لن تتبعها أي مناطق أخرى، ولا داعي لأن ينتظر الناس انسحابات إضافية، لأن ذلك لن يحدث قبل نزع سلاح حزب الله بالكامل”. وزاد على ذلك بإصدار توجيهات للجيش بالاستعداد لعملية عسكرية واسعة ضد إيران أسماها “أزرق وأبيض” (كاحول لافان) قد تنفذ غداً دون مساعدة أمريكية.
ثالثاً: النفير العام في قرى صور وإسقاط “17 أيار الجديد”
أحدثت هذه التسريبات والاعترافات العبرية هزة شعبية ووطنية كبرى في الأوساط اللبنانية، مما سرّع في ولادة جبهة مقاومة سياسية وميدانية حاسمة:
* بيان النفير لقرى صور: رداً على محاولات فرض الوصاية، أصدر أهالي وعائلات قرى وبلدات قضاء صور (برج قلاويه، قلاويه، صريفا، معركة، دبعال، يانوح، جنتا، دير قانون رأس العين، بازورية، جويا، معروب، وادي جيلو، عيتيت، باريش، طورا، شحور، والشهابية) بياناً مشتركاً موجهاً لبلدية فرون وأهاليها. وأعلن الأهالي في بيانهم حالة النفير العام والتواجد المادي عند مدخل بلدة فرون لإفشال مشروع “17 أيار الجديد” ومواجهة شروط الإذعان الإسرائيلية. وشدد البيان على الثقة المطلقة بالجيش اللبناني والتزامه التاريخي بعدم مواجهة أهله في القرى، مستشهدين بتحذير الرئيس نبيه بري: “إنها الفتنة، ولن ينجو أحد منها إذا تم السير في طريقها”.
* التوظيف الطائفي ومؤامرة حكومة سلام: في غضون ذلك، كشفت المعطيات أن حكومة نواف سلام تتحضر لاتخاذ قرارات استفزازية خطيرة بتوجيهات إقليمية، تبدأ بطلب حظر وسحب ترخيص حزب “الجماعة الإسلامية” كخطوة تجريبية أولى، تمهيداً لاتخاذ قرار مشابه لمحاصرة جمعية “قرض الحسن” التابعة لبيئة المقاومة، في محاولة واضحة لدفع البلاد نحو مواجهة داخلية وإرضاءً للمشروع الأمريكي-إسرائيلي.
* استمرار المعاناة الإنسانية: وسط هذه العواصف، أعلنت وزارة الصحة أن الحصيلة التراكمية للعدوان منذ 2 آذار بلغت 4257 شهيداً و12196 جريحاً، في حين أكدت وزارة الشؤون الاجتماعية تراجع عدد مراكز الإيواء إلى 479 مركزاً مع عودة جزئية للأهالي، باستثناء محافظة النبطية التي شهدت فتح مراكز إضافية بسبب استمرار غارات الاحتلال ومواصلة الدفاع المدني البحث عن مفقودين تحت الأنقاض.