عندما تتحدث الدبلوماسية بلُغة القرآن

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالملك العتاكي 

 

في كواليس السياسة الدولية، لا شيء يمر صدفة؛ لكل حركة ثمن، ولكل كلمة مغزى أبعد مما يظهر على السطح.

لكن أن تتحول منصات العزاء والمحافل الرسمية في طهران إلى رسائل مشفرة لتوجيه الرسائل السياسية عبر آيات القرآن الكريم، فهذا أسلوب يتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية ليدخل في مساحات بالغة التعقيد والذكاء.

لطالما عرفنا البروتوكولات الدولية بصرامتها وجفافها، إلا أن الإيرانيين باتوا يتقنون ما يمكن تسميته الدبلوماسية القرآنية.

هم لا يكتفون هنا بمخاطبة العواطف الدينية، بل يسقطون النص القرآني إسقاطاً حاداً على الواقع السياسي الراهن، ليعكس بدقة متناهية ميزان علاقة طهران بكل دولة يمر وفدها.

في المحافل الأخيرة، تنقلت التلاوات بذكاء شديد بين آيات السلم والجهاد، والعتاب والتأييد، وكأنها بيان سياسي غير مكتوب.

على سبيل المثال الوفد السعودي؛ فلم يكن عابراً أن تصدح القاعة في حضورهم بقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾.

هنا تسقط كل المجاملات الدبلوماسية الرمادية، ويتحول الخطاب إلى لهجة صارمة ومباشرة تضع الصراع الإقليمي في إطار المواجهة المباشرة بين محورين لا يلتقيان.

أما الوفد التركي، فقد كان نصيبه آية تحمل عتاباً مغلفاً بالتحفيز: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.

الرسالة هنا واضحة ولا تحتاج إلى كثير من التفسير: طهران تمرر لـ أنقرة نوعاً من اللوم على مواقفها السياسية التي تراها لافتة لكنها غير كافية، وكأنها تدعوها للانتقال من مربع المتفرج أو المتردد إلى أدوار أكثر فاعلية في ملفات المنطقة.

في المقابل، هدأت النبرة تماماً وأخذت طابعاً تصالحياً دافئاً مع الوفد القطري، حين تليت آية الفتح: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾.

وهو انعكاس واضح للرضا الإيراني عن دور الدوحة في الوساطات وتقريب وجهات النظر، وصك غفران دبلوماسي يؤيد مسارها الحالي.

ولم يكن غريباً أن ينال الوفد اليمني جرعة مكثفة من الدعم والثناء؛ فخُصصت له الآية التي تشيد بالثبات: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾.

هذه ليست مجرد تلاوة، بل هي رسالة اعتراف بالشراكة الاستراتيجية، ورسالة تشجيع للمحور الحليف على مواصلة الصمود وعدم الاستكانة.

أما الرسالة الأكثر تعقيداً فكانت موجهة لـ لبنان، بحكومته وخصومه السياسيين معاً، عبر الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾.

وهنا يظهر اللعب على أوتار الانقسام الداخلي اللبناني، وتحذير مبطن للخصوم في بيروت من مغبة التراجع في اللحظات المصيرية، مع التشكيك بلهجة تهكمية في قدرة الأطراف الأخرى على تقديم التضحيات.

لقد لمس الجميع واستشعر أنه أمام أداة حقيقية من أدوات القوة الناعمة.

أداة تختصر عناء إصدار البيانات الرسمية، وتحول المنصة إلى مرآة حية تعكس خريطة التحالفات والخصومات في المنطقة.

رسالة طهران لكل العواصم كانت واضحة جداً: بمعنى نحن نرصد كل موقف، ومكانتكم عندنا محددة ومقاسة بميزان دقيق جداً.