صحيحٌ أن التضحياتِ باهظةٌ وأن المعاناة عظيمة وأن الجراح عميقة ونازفة.
وصحيح أيضا أن شعبنا اليمني يواجه عدوانًا عالميًّا وحصارًا جائرًا وحربًا متعددة الوجوه والأدوات منذ ما يقارب أحد عشر عامًا يشارك فيها مرتزقة من الداخل والخارج وخونة من مختلف المحافظات والقبائل والمناطق بل ومن كل مدينة وحي وشارع.
لكن الله سبحانه وتعالى يقول: (إن تكونوا تألمون فإنَّهم يألمون كما تألمون) وهي حقيقة تؤكد أن الألم ليس حكرًا على أهل الحق وأن للصراع سننًا إلهية لا تتبدل.
إن ما أراده الله لليمن من الابتلاء والتمحيص والإعداد والتهيئة لم يكن عبثًا وما صاحب ذلك من دماء وأشلاء وشهداء وجرحى وتدمير وحصار وتجويع وقتل وقتال ليس إلا مرحلة من مراحل صناعة أمة تحمل رسالة الإسلام وعزة الإيمان وتمضي نحو مستقبل أراده الله لها وللأمة الإسلامية جمعاء خيرًا مهما بدا الحاضر مثقلًا بالآلام.
ولا شك أن السلامةَ نعمةٌ لا يعدلها شيء من متاع الدنيا وأن الناسَ جميعًا يتطلعون إلى الأمن والاستقرار والعيش الكريم غير أن الجنة لا يعدلها ثمن مهما عظم أو ارتفع.
ونفسُ المؤمن أغلى من أن تُشترَى بشيء من مال الدنيا المدنَّس أو جاهها أو سلطانها الزائل وثمنها الوحيد هو رضوان الله وجنته.
أما النار فلا نجاة منها لمن تخاذل عن نصرة المستضعفين أو قصّر في أداء واجبه تجاه الحق أو آثر الراحة على المسؤولية وفرط فيما أوجبه الله عليه تجاه دينه وأمته أيا كان الثمن الذي ظن أنه يتجنبه.
وقد قال الله تعالى: (كُتِبَ عليكم القِتَالُ وهو كُرْهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرٌ لكم) فالقتال في سبيل الله حين يكون دفاعًا عن الدين والكرامة والمستضعفين من عباد الله خير للمؤمن من التخاذل والتفريط والتهاون والتقصير؛ لأن عاقبةَ التفريط خُسرانُ الدنيا والآخرة.
إن الوقائع التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة ليست أحداثًا عابرة، هي شواهدُ واضحة كوضوح الشمس تكشف عدالة قضية أهل الحق ومظلومية المستضعفين المضطهدين في الأرض وتفضح في المقابل جرائم أهل الباطل وانتهاكاتهم وطغيانهم واستكبارهم حتى غدت الحقيقة جلية لكل من امتلك عينا تبصر وعقلا يتدبر وضميرا حيا.
فما جرى في غزةَ ولبنانَ واليمن وإيرانَ وما رافقه من اصطفاف واضح لقوى المقاومة في خندق واحد وما شهدته سوريا وبعض دول الخليج من اصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة وكيان الاحتلال وبريطانيا ودول الغرب قد أسقط كثيرا من الأقنعة وكشف مواقع الجميع فلم يعد هناك متسع للأعذار ولا مجال للتبرير ولا مكان للحياد بين الحق والباطل.
وفي هذا المحور تقف اليمن -بإذن الله تعالى- صخرة صُلبة تتحطم عليها مشاريع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ومعها قوى الاستكبار العالمي وحلفاؤها وعملاؤها في المنطقة.
وستنكسر على صلابتها أحلامهم وأطماعهم كما تنكسر شوكتهم لأنها أصبحت اليوم رمزًا للشموخ ورأس حربة المقاومة الإسلامية في مواجهة المشروع التدميري الذي يستهدف الأمة العربية والإسلامية في عقيدتها وأخلاقها وفكرها وسلوكها ودولها وشعوبها ومستقبلها في الدنيا والآخرة.
وإذا كان اللهُ سُبحانَه وتعالى قد اختص اليمنَ منذ فجر الإسلام بنصرة الدين وحمل راية المستضعفين وغرس في أرضها الحكمة والإيمان ثم شاء لهذا الغرس أن ينموَ ويترسَّخَ ومن عليها بقيادة حكيمة من العترة الطاهرة فإنَّ العدوانَ السعو-صهيوني-الأمريكي ومعه أدواته ومرتزقته لن يستطيع اقتلاعَ ما غرسه الله مهما بلغت قوته وتعاظم جبروته؛ لأن الأمةَ التي يحييها الله لا يستطيعُ جَبَّارٌ في الأرض أن يعيدَها إلى الموت ولا متكبر أن يطمس نورها.
ومن هنا فإن الواجب يقتضي من اليمنيين أن يسلِّموا تسليمًا كاملًا لخيارات القيادة وتوجيهاتها وأن يتحلوا بالثقة والصبر والثبات وألا يجعلوا كثرة التساؤلات أو التردد أو التباطؤ سببًا في إضعاف الموقف.
فنحن في هذه المسيرة المباركة ومع هذا الشعب العظيم نستند إلى ركن شديد ونستمد قوتنا من الله قبل كل شيء ونستلهم حكمتنا من قيادتنا الربانية الحكيمة.
أما كل من تحالف مع قوى الطاغوت والاستكبار العالمي وجمع الأموال والأسلحة والجيوش والطائرات وسخر الإعلام والمكر والخداع والخطط والخبرات والإمكانات لإخضاع اليمن فإنه -على كثرة ما يملك- لا يساوي شيئًا أمام قدرة الله وملكه وقوته وتدبيره.
فكل تلك القوى مهما تعاظمت في أعين الناس تبقى ضعيفة وعاجزة ومكبلة إذا واجهت إرادة الله وسننه وجنوده الذين اختصهم لنصرة دينه.
وفي المقابل فإن جنودَ الله هم الذين يثقون بوعده ويأخذون بأسباب القوة فيعدون العدة والعتاد ويبنون القدرات والإمكانات ويوفرون التمويل والتموين ويتحرّكون في سبيله لإعلاء كلمته ونصرة دينه وإقامة العدل والقسط في أرضه واستعادة أمجاد الأجداد الأوائل الذين حملوا رسالة الإسلام وصنعوا حضارة هذه الأمة، لتنهض من جديد عزيزة قوية على مختلف المستويات والعاقبة للمتقين.