علماء اليمن.. كلمةُ الحق في مواجهة الباطل

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / عبدالله علي هاشم الذارحي

في زمنٍ اختلطت فيه المواقف، وتراجعت فيه أصوات كثيرة أمام الضغوط السياسية والإملاءات الخارجية، يأتي المؤتمر السنوي لعلماء اليمن للعام 1448هـ بعنوان: “علماء اليمن في مواجهة العدوان والحصار”، ليؤكد أن العلماء يحملون مسؤولية البيان والبلاغ، وأن دورهم لا يقتصر على المنابر، لكنه يمتد إلى توضيح الموقف الشرعي تجاه القضايا التي تمس الدين والأمة والوطن.

وقد جاء انعقاد المؤتمر متزامنًا مع الاستعدادات لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، في دلالة على أن الارتباط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون بالمحبة المجردة فحسب، وإنما بالاقتداء بمنهجه في بناء الأمة، وإقامة العدل، ونصرة المظلوم، والثبات أمام التحديات.

وانطلق البيان من التأكيد على أن اليمن يعيش ظروفًا استثنائية نتيجة استمرار العدوان والحصار، وأن ذلك يفرض على العلماء القيام بواجبهم في التوعية والتوجيه، مع التأكيد على ثبات الموقف تجاه القضية الفلسطينية، والتضامن الكامل مع المقاومة.

وفي أولى رسائله، هنأ المؤتمر الشعب اليمني والأمة الإسلامية بذكرى المولد النبوي، داعيًا إلى تحويل هذه المناسبة إلى محطة لتعزيز الإيمان والوعي ووحدة الصف، واستلهام سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في الأخلاق والرحمة والصبر والجهاد، مع الحث على المشاركة الواسعة في الفعاليات المرتبطة بهذه المناسبة.

وأكد البيان أن الطريق إلى تجاوز الفتن والتحديات يكون بالاعتصام بحبل الله، والرجوع إلى القرآن الكريم، وتعزيز وحدة الأمة، وترسيخ الثقة بالله، باعتبار القرآن منهج الهداية والنجاة، وأن الأمة لا يمكن أن تستعيد قوتها إلا بالتمسك بقيم الإسلام ووحدة الكلمة.

وفي حديثه عن اليمن، وصف البيان ما تعرض له البلد خلال سنوات العدوان والحصار بأنه خلّف خسائر بشرية ومادية واسعة، وأثر في مختلف جوانب الحياة، من البنية التحتية والخدمات والاقتصاد إلى الأوضاع الإنسانية والصحية والمعيشية، معتبرًا أن ذلك يمثل معاناة كبيرة للشعب اليمني، ودعا أنظمة وشعوب الأمة إلى نصح النظام السعودي بالرجوع إلى منطق العقل، وفك الحصار على اليمن، وإنهاء احتلاله وعدوانه.

كما أعلن المؤتمر تأييده لقرارات القيادة في صنعاء فيما يتعلق بالرد على الحصار والتصعيد، واعتبر أن ذلك يدخل في إطار الحق المشروع في الدفاع عن النفس ورد الاعتداء، مستندًا إلى الآيات القرآنية التي تناولها البيان في هذا السياق.

وتضمن البيان دعوة إلى إنهاء العدوان ورفع الحصار، معتبرًا أن تحقيق السلام والاستقرار يمر عبر معالجة أسباب الصراع، كما دعا إلى تغليب منطق الحوار وحسن الجوار، مع التأكيد على أن استمرار التصعيد لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات.

وفي الجانب الداخلي، شدد المؤتمر على أهمية وحدة الصف، وتعزيز الجبهة الداخلية، والتعاون في حفظ الأمن والاستقرار، ورفع مستوى الوعي تجاه التحديات، والحذر من حملات التضليل والإفساد، مؤكدًا أهمية تحمل الجميع لمسؤولياتهم الوطنية.

وأعاد البيان التأكيد على أن فلسطين ستظل القضية المركزية للأمة الإسلامية، وأن نصرة الشعب الفلسطيني واجب ديني وأخلاقي، مع الدعوة إلى استمرار الدعم والمساندة، ورفض كل أشكال التطبيع، والتحذير مما اعتبره مشاريع تستهدف المنطقة وهويتها ومستقبلها.

كما عبّر المؤتمر عن مواقفه تجاه عدد من القضايا الإقليمية، فأعلن تضامنه الكامل مع إيران ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي، ومع المقاومة الإسلامية في لبنان، وأدان العدوان على العراق، والتواجد العسكري الأجنبي في المنطقة، واعتبر أن استخدام أراضي بعض الدول في أعمال عسكرية ضد دول أخرى يمثل مشاركة في العدوان، وحذر من دعوات نزع السلاح في غزة ولبنان والعراق، كونه مخالفًا لتعاليم الله تعالى، داعيًا إلى موقف موحد تجاه قضايا الأمة.

وتناول البيان أيضًا انتقادات حادة للسياسات السعودية في عدد من الملفات السياسية والدينية، معتبرًا أن تلك السياسات تمثل خروجًا على ثوابت الأمة ومصالحها، ومطالبًا العالم الإسلامي بتحمل مسؤولياته تجاه ما ورد في البيان من اتهامات، وتحويلها إلى مواقف عملية.

ويبرز من خلال هذا المؤتمر حرص علماء اليمن على ربط الموقف الديني بالواقع العملي، والتأكيد على أن العالم لا يجوز أن يقف موقف المتفرج أمام المظالم التي تتعرض لها الأمة، إنما عليه أن يؤدي واجبه، وأكد البيان على إحياء الوعي، وتعزيز الصمود، وترسيخ قيم الوحدة والاعتصام بالله.

وفي ختام البيان، توجه علماء اليمن بالدعاء إلى الله تعالى أن يرفع عن اليمن والأمة الإسلامية المحن، وأن يحقق الأمن والاستقرار، وأن يوفق الجميع لما فيه الخير، مؤكدين أن الثبات على المبادئ، والتمسك بالقرآن الكريم، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووحدة الصف، تمثل الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأمة، وتُحفظ به كرامتها، وتُصان به حقوقها.