بهتان استهداف المقدسات.. إفلاس الرواية السعودية أمام صمود اليمن وقوة مواقفه

البيضاء نت | تقرير طارق نخلة

حين تعجز آلة الحرب عن حسم المواجهة، تتقدم المعركة الإعلامية، وحين تصبح المقدسات عنواناً للاتهامات، تبرز ضرورة كشف الحقائق وتمييز الوقائع عن محاولات التضليل،  في تطور يكشف خطورة توظيف المقدسات في الصراع السياسي والعسكري، عاد العدو السعودي لتوجيه اتهامات للقوات المسلحة اليمنية باستهداف المدينة المنورة، في ادعاء نفته صنعاء بصورة قاطعة، مؤكدة عدم تنفيذ أي عملية باتجاه الأراضي السعودية.، وقال المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية، نؤكد أننا لم ننفذ اليوم أي عملية استهداف باتجاه الأراضي السعودية، وما يدعيه العدو السعودي من استهداف باتجاه المدينة المنورة هو بهتان عظيم وكبير»،  ويفتح هذا التصريح الباب أمام قراءة أعمق لدلالات الاتهام وتوقيته، في ظل مواجهة لم تتوقف فيها محاولات التأثير على الرأي العام،  فحين يتعلق الأمر بالمدينة المنورة، لا يعود الاتهام مجرد رواية عسكرية، بل يصبح محاولة لاستثارة مشاعر المسلمين واستدعاء مكانة المقدسات في معركة تتجاوز حدود الميدان.

المقدسات ليست ورقة للتغطية على إخفاقات الميدان

تواجه الرواية السعودية، مأزقاً يتجاوز حدود التصريحات المتبادلة؛ فالمواجهة لا تُحسم بالبيانات الإعلامية، ولا يمكن تعويض الإخفاقات العسكرية باتهامات خطيرة لا تكفي لإثباتها مجرد التصريحات الرسمية،  ومن هنا، فإن الزج بالمدينة المنورة في قلب المواجهة يثير تساؤلات جوهرية حول الغايات من وراء هذه الاتهامات، خصوصاً عندما تُطرح أمام الرأي العام من دون إتاحة أدلة فنية مستقلة تحسم مصدر المقذوف ووجهته والهدف الذي كان يتجه إليه، إن خطورة هذه الممارسات تكمن في محاولة نقل المعركة من موازين القوة والوقائع الميدانية إلى ساحة المشاعر الدينية، حيث يمكن للاتهام أن يسبق الحقيقة، وأن تتحول حساسية المقدسات إلى أداة للتعبئة والتحريض، لكن المقدسات الإسلامية أكبر من أن تكون غطاءً للمناورات السياسية، وحرمتها لا تمنح أحداً حق توجيه الاتهامات دون أدلة واضحة وقابلة للتحقق.

نفي يمني قاطع في مواجهة اتهام بالغ الخطورة

جاء الرد اليمني واضحاً ومباشراً، لا توجد عملية استهداف نفذتها القوات المسلحة اليمنية باتجاه الأراضي السعودية اليوم، وما يُقال عن استهداف المدينة المنورة وصفه المتحدث الرسمي بأنه «بهتان عظيم وكبير»، وتكتسب أهمية هذا الموقف من حساسية الاتهام نفسه؛ فالقوات المسلحة اليمنية ترفض تحميلها مسؤولية حادثة تنفي تنفيذها، وتضع بذلك العدو السعودي الذي أطلق هذا الاتهام أمام مسؤولية تقديم الأدلة التي تثبت صحة ادعائها، وهنا تتجلى المفارقة،  كلما كان الاتهام أخطر، ازدادت مسؤولية مطلقيه عن إثباته، لا عن تكراره وتضخيمه إعلامياً، فالإعلان عن اعتراض مقذوف، حتى إن ثبتت الواقعة، لا يحسم وحده هوية الجهة التي أطلقته، ولا يثبت بالضرورة أنه كان يستهدف المدينة المنورة تحديداً، وهذه حقائق لا يمكن تجاوزها بالقفز من إعلان عسكري إلى اتهام سياسي .

لماذا يجري استدعاء المقدسات إلى قلب المواجهة؟

إن استهداف المقدسات، أو الادعاء باستهدافها، من أكثر القضايا قدرة على تحريك الرأي العام الإسلامي؛ ولذلك فإن إدخالها في الخطاب المتصل بالحرب يحمل أبعاداً تتجاوز التفاصيل العسكرية المباشرة، وتتمثل إحدى أخطر الدلالات في إمكانية تحويل الاتهام إلى وسيلة لصرف الأنظار عن أسباب المواجهة ونتائجها، وإعادة تقديم الصراع باعتباره معركة للدفاع عن المقدسات، بدلاً من إخضاع الوقائع العسكرية والسياسية للفحص والمساءلة،إن محاولة كسب المعركة الإعلامية عبر قضايا شديدة الحساسية قد تحقق ضجيجاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الحقيقة أو أن تمنح الاتهامات حصانة من المساءلة.

الفارق بين مواجهة عسكرية واستهداف المقدسات والمدنيين

القوات المسلحة اليمنية في مواجهتها للعدو السعودي لا تتعامل بالخسة التي يتعامل بها في اليمن عبر قتل الأبرياء وضرب الأعيان المدنية، فكيف بالمقدسات،   وهذه رسالة ينبغي تقييمها على أساس المواقف المعلنة والوقائع الفعلية،
فالقواعد الإنسانية يفرضها القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم جميع الأطراف بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحمايتهم، ومن ثم، فإن احترام المقدسات وحماية الأبرياء يجب أن يكونا معياراً ثابتاً لا يتغير بتغير موازين المواجهة، ولا يجوز تحويلهما إلى أدوات للمزايدة أو التحريض.

الحقيقة لا تصنعها الاتهامات

إن ما يجري يكشف حجم المعركة الإعلامية المصاحبة للمواجهة العسكرية، ويضع الاتهامات المتعلقة بالمدينة المنورة أمام اختبار الأدلة، لا اختبار الانفعالات، فإذا كان العدو السعودي يمتلك أدلة تثبت مسؤولية القوات المسلحة اليمنية عن الحادثة، فإن تقديمها للتحقق المستقل هو الطريق إلى الحقيقة؛ أما الاكتفاء بالاتهام، مهما ارتفعت نبرته، فلا يحوله إلى حقيقة ثابتة، فالمدينة المنورة ليست ورقة في صراع سياسي، والمقدسات ليست ساحة لتصفية الحسابات، ودماء الأبرياء ليست مادة للدعاية، والحقيقة التي يجب أن تبقى فوق كل اعتبار هي أن الاتهامات الخطيرة لا تُثبتها الحملات الإعلامية، وإنما الأدلة القاطعة.