الصدق أساس الثقة والكذب معول الهدم

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / القاضي حسين محمد المهدي

{وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّـهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ}. الصدق عماد الفضائل، ونظام الألفة، وميزان العدل بين الناس؛ بينما يمثل الكذب أصل الرذائل، ومعول الهدم للثقة والحقوق والروابط الإنسانية والاجتماعية والسياسية.

وقد جاء في الحديث النبوي: “دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ”؛ فالصدق يرفع الإنسان في الدارين، والكذب يهوي به في الحالين.

الصدق فلاح وأمان، به يستدل على السجية الكاملة، والفطرة السليمة، والأخلاق المستقيمة، فهو مما يزيد الإنسان نورا وثباتا على الحق، ويجلب محبة الله ورسوله ومحبة الناس.

لذلك وصف الله به أنبياءه ورسله، والمؤمنين من عباده؛ فقال في حق خليله إبراهيم: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا}، وقال في حق إدريس عليه السلام {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا}، ونعت الله به خاتم الأنبياء محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: {وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.

كما نعت به المؤمنين فقال سبحانه في حق من تحلى بالصدق والثبات: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}؛ فالصادق في إيمانه ناجح، والصادق في تجارته رابح، والصادق في اتفاقه وتعهداته ومعاملاته وسياساته فالح، وإذا نظرت إلى العالم المعاصر اليوم لوجدت الرابحين في تجارتهم وسياستهم واعمالهم الذين تحسن سمعتهم، وتحسن الثقة بهم، في تجارتهم وسياستهم وفي جميع اعمالهم؛ أنهم أهل الصدق.

فالصدق يدر على الصادقين الخير الوفير والعز الكبير، ويورثهم السلامة والأمن في الدنيا والآخرة، والصدق طمأنينة وفضيلة وخيرات وفيرة.

أمّا الكذب فضرره كبير، وأثره خطير، فهو عار لازم، وذل دائم، فما عز ذو كذب ولو أخذ القمر بيده، وما ذل ذو صدق ولو أتفق العالم عليه، وفي الذكر الحكيم: {إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّـهِ}، وفي الحديث النبوي: “لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرء، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعًا، ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعًا”.

وفي الأمثال السائرة: دع الكذب فإنه يضرك حيث ترى أنه سينفعك، وعليك بالصدق فإنه ينفعك حيث ترى أنه سيضرك، وإذا كذب السفير بطل التدبير، وإذا كذب الرائد هلك الوارد.

ولا خير في عيش يكون قوامه ** بمحنة كذاب ومدحة كاذب

ولهذا فإنه إذا أمتد الكذب إلى العلاقات الدولية فككها وأفسدها؛ لأنه إذا انتقل الكذب من تصرف فردي إلى أسلوب في إدارة الدولة؛ فإن ضرره يصبح أعمق؛ لأنه لا يهدم الثقة بشخص واحد فقط، وإنما يهدم الثقة بالقواعد والمؤسسات والاتفاقات نفسها، وتؤكد دراسات الحوكمة الحديثة أن الثقة بالحكومات ترتبط بقوة بإدراك الناس للنزاهة والصدق في الوفاء بالعهد والمعاملة والشفافية والموثوقية والإنصاف، وأن ضعف الثقة يعيق قدرة الدولة على تنفيذ السياسات والإصلاحات.

فأضرار الكذب في علاقة الدولة بالأحزاب والقوى السياسية، والدول الأخرى التي تقام معها علاقات ومعاهدات، أخطر أثر ففقدان الثقة في الالتزامات السياسية التي تلتزم به الدولة وتعد به السلطة تصاب بضرر كبير لأن الداخل مع هذه السلطات سيدرك أن الضمانات والاتفاقات السياسية لا قيمة لها، فينشأ عند ذلك خلاف كبير، ثم يتحول الخلاف إلى صراع دولي يؤدي إلى الهلكة.

وقد ينتقل الضرر بعد ذلك إلى مؤسسات الدولة نفسها، وأجهزتها المختلفة، ولهذا يعد الصدق في المعلومات والمعاهدات العامة عاملاً مهماً في بناء الثقة بالمؤسسات والدول.

وهناك نتيجة أخطر على المدى الطويل: الحكومة قد تكسب جولة وتخسر النظام السياسي؛ فقد يحقق التضليل هدفاً آنياً، كإرباك خصم أو تمرير قرار، لكن اكتشافه يجعل الأطراف الأخرى تسحب الثقة ممن يتحلى بالكذب في معاملاته وتعهداته؛ لأنها تتآكل المصداقية في الدولة، ففي السياسة الدولية ليست القوة العسكرية والاقتصادية وحدهما تحفظ مكانة الدولة؛ فالمصداقية أيضاً أصل سياسي في ذلك.

وتشير أبحاث في العلاقات الدولية إلى أن السمعة بالصدق تجعل الاتصال الدبلوماسي أكثر فاعلية، بينما الدولة التي تُضبط وهي تخادع قد تجد صعوبة أكبر في إقناع الآخرين برسائلها في أزمات لاحقة، وهنا يصبح فقدان المصداقية خطيراً حتى عندما تعود الدولة إلى الصدق.

وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع كلفة الاتفاقيات والتحالفات؛ فالدولة الموثوقة قد يكفي التزامها السياسي في بعض الحالات، بينما الدولة التي فقدت الثقة تكون منبوذة وهذا يتفق مع أدبيات العلاقات الدولية التي تربط السمعة بموثوقية الدولة كشريكٍ وبمصداقية التزاماتها.

ويمكن للكذب أن يضعف الردع نفسه، وهذه مفارقة مهمة: قد يتصور صانع القرار أن المبالغة والتهديدات الكاذبة تجعله أقوى، وهذه أوهام يقع فيها بعض الساسة الذين يجترؤون على الكذب ونقض المعاهدات.

وهذا ما يتفق مع الأدبيات الأكاديمية حول السمعة الدولية التي تناقش بالفعل كيفية تأثير السلوك السابق في تصورات الاطراف عن الالتزامات والتهديدات المستقبلية، وقد يؤدي الكذب إلى سوء التقدير والتصعيد، عندما لا يستطيع الخصم معرفة ما إذا كان المتعاهد معه سيفيئ بالتزاماته وتعهداته، لأنه تعود كذب الخصم وغشه وخداعه، ويبني قراراته على أسوأ الاحتمالات.

وفي الأزمات العسكرية تحديداً، يمكن لانعدام الثقة أن يجعل رسائل التهدئة أقل فاعلية، وهناك ضرر قانوني ودبلوماسي عندما يتعلق الأمر بالالتزامات الدولية؛ فميثاق الأمم المتحدة نفسه ينص على أن أعضاء المنظمة يوفون بحسن نية بالالتزامات التي تعهدوا بها بموجب الميثاق.

وبالتالي فإن مفهوم حسن النية ليس مجرد فضيلة أخلاقية، وإنما هو عنصر أساسي في بنية النظام الدولي والالتزامات بين الدول، وأكبر شاهد على ذلك ما وقع من قبل زعيم الصهيونية في أمريكا ترامب، وحينما خرج من الاتفاق مع الجمهورية الاسلامية في إيران، الذي وقعته الحكومة الأمريكية في عصر الرئيس أوباما والذي أعلن انسحابه منه عام ٢٠١٨م، ثم دعا إيران إلى التفاوض مرة أخرى، بعد أن ركل الاتفاق السابق وانسحب منه، وأثناء المحادثات شن حربًا كبرى على إيران، وقتل الإمام الخامنئي وغيره من القادة، خدمة للصهيونية اليهودية في الأرض المحتلة، وليس لخدمة الشعب الأمريكي، وصار ضحية هذه الحرب آلاف الأرواح الزكية، والدمار الهائل، حتى صارت السياسية الأمريكية أضحوكة على مسرح السياسة الدولية.

وها هو الآن زعيم الصهيونية يناور ويخادع على مرأى ومسمع من العالم، وكل ذلك مما يشوه سمعة دافعي الضرائب والناخبين والحزب الديمقراطي وكل الأحرار في أمريكا، لأن أي تعامل مع هذه الدولة سيصبح في مهب الريح، والمؤمل من الناخب الأمريكي في انتخاباته النصفية ألا يعطي صوته لزعماء الصهيونية في الحزب الجمهوري الذين لا يوفون بعهد ولا وعد؛ لأن ذلك سيكون بمثابة وصمة عار فيمن يشجعون على تزكية زعماء الصهيونية التي صارت ترتكب الفضائع في فلسطين، وتقتل الالاف وتهدم الديار على رؤوس ساكنيها بغيًا وظلمًا.

وهكذا يجب على الجميع أن يدرك أن الكذب وعدم الوفاء بالوعود والعهود وصدق الكلمة يؤدي إلى هدم الثقة وإشعال نار الحروب؛ فالقوة الحقيقية يجب أن لا تنفصل عن الصدق، ولا تتحلى بالكذب، وما حصل في اليمن من الاعتداء عليه من قبل جيرانه شاهد على أن الصدق خاصية إنسانية من حيث تعامل الدول مع بعضها أو مع جيرانها، وأن عدم رعاية ذلك والمماطلة فيه يترتب عليه أضرار جسيمة؛ فشن الحرب على اليمن والاعتداء عليه تحت شعارات وعناوين لا تتسم بالمصداقية شكل كارثة كبرى في العالم الاسلامي، وجعل المجتمع الانساني الحر ينظر بازدراء شديد إلى من تحالفوا على البغي والعدوان على يمن الإيمان والحكمة وتركهم الحبل على الغارب تجاه الصهيونية اليهودية التي احتلت المسجد الأقصى وقتلت عشرات الالاف في غزة ظلمًا وعلى مرى ومسمع من العالم كله.

فحري بمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يكون أمينًا صادقًا، وإنما تتعزز الثقة بين الناس وتزدهر الحياة عندما يكون هناك وفاء وصدق، ولكن بحمد الله ها هم أنصار الله يلقنون أعداء اليمن دروسًا، يدفعون بها ثمن كذبهم واعتدائهم على اليمن وعدم الوفاء بالتزاماتهم فيما أتفق عليه معهم وسيكون النصر -بأذن الله- حليفهم في يمن الإيمان والحكمة، بقيادة القائد المظفر قائد المسيرة القرآنية السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي حفظه الله.

أمّا أهل النفاق والغدر فعاقبتهم الهلكة والبوار، وفي القرآن الكريم: {إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}؛ فخلف الوعد والكذب فيه نفاق، كما جاء في الحديث النبوي آية المنافق ثلاث: “إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ “، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

* عضو رابطة علماء اليمن