وعيُ اليمن يهزم حربَ الإعلام

البيضاء نت | مقالات 

بقلم / بشير ربيع الصانع

لم تعد المواجهة مع الأعداء محصورة في ساحات القتال فقط؛ فاليمن، بفضل الله ورعايته، خاض حربًا أكثر تعقيدًا وعمقًا مما ظهر على السطح.. حربٌ امتدّت إلى العقول قبل أن تمتد إلى الحدود، وإلى الوعي قبل أن تطال الجغرافيا، حتى أصبح الإعلام ساحة لا تقل خطورة عن ميادين المواجهة.

وحين تصدّى اليمن لكل الخطوات العدوانية التي أقدم عليها الأعداء، وألحق بهم الهزائم والفضائح العسكرية، وجد “تحالف الشر” نفسه يترنح في ميدان آخر كان يظن أنه ميدانه الأقوى: ميدان الكلمة، والصورة، والرواية.

ومع اتساع الوعي الشعبي، وتنامي الأصوات الحرة التي حملت الحقيقة بلا خوف، بدأ الإعلام المعادي يفقد قدرته على الترويج لخرافاته، فاستبدل سلاح الكذب بسلاح الحظر.

لقد كان ذلك علامة على الإفلاس التام؛ إذ لم يجد العدوّ طريقًا لإخفاء الحقيقة إلا بمحاولة إسكات من يقولونها.

لكن هذا الحظر لم يُضعف الصوت اليمني، بل زاد من قوته، وأظهر بوضوح مدى تأثير الناشطين والإعلاميين اليمنيين الذين استطاعوا أن يعرّوا الباطل أمام الشعوب الحرة.

فقد تحقّق قول الله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}؛ لأَنَّ الحق حين يُقال بصدق، يدمغ الباطل فإذا هو زاهق.

غير أن الضربة التي أصابت الأعداء في مقتل لم تكن في الحظر ولا في محاولات التشويش، بل في الحدث الذي لم يتوقعوا أن يهزّ أركان مشاريعهم: كشف صنعاء عن شبكة التجسس الواسعة، تلك الشبكة التي كانت تعمل لسنوات، وتتوغل في حياة الشعوب الحرة والمقاومة بأساليب خبيثة.

وما كشفته صنعاء كان فضحًا عميقًا لبنية الحرب الخفية التي تُدار على الشعوب الحرة والمقاومة، وكيف حاول الأعداء إعادة تشكيل جواسيس من الداخل عبر أدوات متطورة وعمليات استغلال مدروسة.

وحين بثّت صنعاء هذه الحقائق على القنوات الوطنية، كشفت للناس كيف كانت الأجهزة الأمريكية والصهيونية والسعوديّة تتسلل إلى تفاصيل العالمين العربي والإسلامي، وتُنشئ تأثيرا يُراد به ضرب كُـلّ ما هو أصيل.

كان المشهد صادقًا ومزلزلًا؛ وجوه تتحدث، وخيوط تتضح، وخطر يتعرّى أمام الجميع.

كانوا يشاهدون أنفسهم في مرآة ما كان يُراد لهم.

ولهذا، تفاعل آلاف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مع هذا الكشف، فأعادوا تفكيك المعلومات، وشرحوا تفاصيل لم يحتملها العدوّ، ما دفعه إلى شن حملة حظر واسعة على الحسابات المؤثرة التي كشفت خلفية هذه الشبكة وأساليب عملها.

ولأن المعركة الإعلامية أصبحت امتدادا للمعركة العسكرية، بات من الضروري تعزيز أدوات التصدي للإعلام المعادي بكل أشكاله.

وقد فهم اليمنيون هذه الحقيقة مبكرًا، فبدأوا بتعزيز التوعية والتثقيف الإعلامي، ليصبح المجتمع قادرًا على التمييز بين الخبر الحقيقي والخبر المصنوع، وبين الصورة الصادقة وتلك التي صُنعت لتشويه الوعي.

وهذا الوعي المتنامي جعل محاولات التضليل تفقد تأثيرها، وأصبح الناس يسألون عن المصدر، ويفحصون المحتوى، ويتحقّقون قبل المشاركة.

كما اتجه الناس إلى الإعلام البديل والمستقل، تلك المنصات التي لا تتحكم بها غرف الاستخبارات ولا تملي عليها قوى الطغيان روايات جاهزة.

فالإعلام الحرّ كان وما يزال سلاحًا يُواجَه به التضليل، وقد أثبت فعاليته حين نقل الحقيقة كما هي.

ومع كُـلّ هذا الوعي، أصبح إنتاج محتوى إعلامي مضاد ضرورة وجودية؛ محتوى يبرز المعاناة الإنسانية، ويوثق الجرائم، ويحمل الرواية الأصيلة للشعب اليمني.

لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى جبهات وعي مفتوحة، يتفاعل فيها الناس، ويفضحون الأكاذيب، ويعيدون ترتيب الصورة وفقًا للحقيقة، لا وفقًا لما تُريده غرف التضليل.

ومع ذلك، ظلّ الوعي الشعبي هو الحصن الأول؛ لأَنَّ التحقيق في المعلومات وتدقيقها أصبح ممارسة يومية بين الإعلاميين والناشطين.

ومن خلال أدوات مثل التحقّق من الصور وتتبع مصادر الأخبار، استطاع المجتمع أن يكسر سلسلة التضليل التي ظل الإعلام المعادي يفرضها لسنوات.

في مقابل ذلك، تعزز دور الصحافة المستقلة والفنون والآداب في حمل الرواية اليمنية؛ فالشعراء والفنانون وجدوا في هذا الظرف مسؤولية أخلاقية لإيصال صوت الناس، والصحفيون المستقلون وثقوا ما استطاعوا من الوقائع، وقدموا للعالم لغة لا يمكن تزويرها.

لقد أحس الأعداء بالخطر حين أدركوا أن الوعي انتصر، وأن المجتمع أصبح أكثر يقظة، وأن المعركة لم تعد سهلة كما كانت من قبل.

إنهم يخشون من صوت ناشط أَو إعلامي؛ لأَنَّهم يعرفون أن هذا الصوت قادر على هزيمتهم في ساحات الوعي التي لا يجدي فيها السلاح.

لكنهم ينسون أن الله يقول: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)}.

وهكذا، تتضح الصورة: اليمن اليوم يواجه الأعداء بالسلاح، بالوعي، بالكلمة، بالفكرة، وبالقدرة على كشف ما يُراد إخفاؤه.

لقد أصبحت الرواية الأصيلة ملكًا للناس، لا تُحجب ولا تُزوّر، وانقلبت أدوات التضليل على أصحابها.

وما بين كشف الجواسيس وكسر الحظر وتثبيت الوعي، أدرك الجميع أن اليمن يخوض معركة من نوع جديد؛ معركة ينتصر فيها الإنسان حين يعرف الحقيقة، وحين يحملها دون خوف، وحين تصبح الكلمة سلاحًا يربك العدوّ أكثر من أي شيء آخر.