30 نوفمبر.. ذاكرة النصر على بريطانيا وواقع المواجهة مع قوى الوصاية والاحتلال
البيضاء نت | تقرير أحمد قحيم
في الذكرى الثامنة والخمسين ليوم الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967، يعود اليمنيون إلى واحدة من أهم لحظات التحرر في تاريخهم المعاصر؛ اللحظة التي سقط فيها آخر جندي بريطاني ورُفع العلم اليمني على تراب الجنوب بعد 129 عامًا من الاستعمار. لكنها عودة مشوبة اليوم بمرارة الواقع الراهن، حيث ترزح المحافظات الجنوبية مرة أخرى تحت وطأة احتلال متعدد الوجوه والأدوات: سعودي-إماراتي من ناحية، وأمريكي-بريطاني-إسرائيلي من ناحية أخرى، وبشراكة واضحة مع أدوات محلية متورطة في مشاريع التفتيت ونزع السيادة.
ورغم أن المشهد الحالي يبدو محاولة لإحياء نماذج النفوذ الخارجي، فإن اليمن – بفضل ثورة 21 سبتمبر المجيدة – لم يعد ذلك البلد الذي يمكن ابتلاعه أو التحكم بقراره بضغط سفارة أو نفوذ إقليم.. فقد جاءت الثورة لتعيد الاعتبار للسيادة الوطنية، ولتعلن سقوط وصاية السفراء، وبداية مشروع تحرري شامل يمتد من العاصمة صنعاء إلى كل شبر من الجنوب المحتل.. مشروع يقول بوضوح إن الاستقلال ليس ذكرى، بل مسار مستمر نحو التحرير الكامل.
ثورة 21 سبتمبر: عودة القرار الوطني ونسف منظومة الوصاية
وفي مقابل هذا المشهد القاتم من الهيمنة الخارجية في المحافظات الجنوبية المحتلة، برزت ثورة 21 سبتمبر كأهم منعطف تاريخي أعاد الاعتبار للقرار الوطني اليمني، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من السيادة والاستقلال. فالثورة التي أطاحت بوصاية السفراء، وأنهت حقبة طويلة من التحكم الأجنبي بقرار الدولة، لم تكن مجرد حركة احتجاجية أو تغيير سياسي، بل كانت مشروع تحرر حقيقي أعاد تشكيل هوية الدولة اليمنية وحوّلها من ساحة نفوذ خارجي إلى دولة تمتلك قرارها وتواجه قوى الاستكبار بلا تردد.
لقد أعلنت 21 سبتمبر ـ عمليًا ـ سقوط معادلة “اليمن الساحة المفتوحة”، وأسست لتحول جذري في طبيعة الحكم والولاء السياسي، ووضعت الأساس لمرحلة التحرر من كل أشكال التدخل الخارجي، شمالًا وجنوبًا، وصولًا إلى مواجهة الاحتلال السعودي-الإماراتي-الإسرائيلي باعتباره امتدادًا لنفس المشروع الذي ثارت عليه الجماهير اليمنية قبل أكثر من عقد.
من احتلال مباشر إلى هيمنة متعددة الأبعاد
عندما أُخرجت بريطانيا عام 1967، بدا أن الفصل الاستعماري قد انتهى إلى الأبد.. لكن الأحداث منذ 2015 أثبتت أن الاحتلال يمكن أن يتغير شكله دون أن تتغير غايته.
فتحالف العدوان السعودي-الإماراتي أعاد إنتاج هيمنة خارجية معقّدة تتجاوز الاستعمار المباشر، تقوم على:
- قوى محلية موالية: ما يسمى بـ”المجلس الانتقالي الجنوبي”، ومكونات أخرى صنعتها أبوظبي والرياض.
- غطاء سياسي مصنّع: ما يسمى بـ”المجلس الرئاسي” وحكومة المرتزقة في عدن.
- قواعد أجنبية مشتركة: أمريكية، بريطانية، إماراتية، إسرائيلية.
- تدخل اقتصادي مباشر في الموانئ والحقول والثروات.
وبذلك لم يعد الجنوب حراً، بل منطقة عمليات مشتركة تتقاسم النفوذ فيها قوى خارجية عبر أدوات محلية فقدت بوصلتها الوطنية.
شبكة القواعد الأجنبية: الجنوب يتحول إلى منصة عسكرية دولية
التقارير الدولية والمصادر الاستخباراتية ترسم صورة واضحة لواقع الاحتلال الجديد في الجنوب، حيث تتوزع قواعد عسكرية واستخباراتية على امتداد السواحل والجزر والمنافذ الاستراتيجية:
- جزيرة ميون – باب المندب
الإمارات أنشأت قاعدة جوية ومدرجًا بطول 1.85 كم، مع حظائر للطائرات منذ 2016، بحسب “أسوشييتد برس”. الموقع يخدم أهدافًا استخباراتية وعسكرية مرتبطة بالبحر الأحمر والمحيط الهندي. - أرخبيل سقطرى – عبد الكوري وسمحة
تقارير أكدت وجود منشآت عسكرية واستخدام أنظمة مراقبة إسرائيلية، إضافة إلى استقدام ضباط إسرائيليين، وتحويل الجزيرة إلى منصة عمليات إقليمية. - جزيرة زقر
مصدر مطلع (2025) أكد إنشاء قاعدة إماراتية-أمريكية-إسرائيلية مشتركة تشمل مدرجًا للطائرات ورصيفًا بحريًا ومنشآت لوجستية. - ذوباب
تقارير 2025 تشير إلى استكمال الإمارات إنشاء مطار عسكري متكامل يخدم عملياتها في الساحل الغربي.
هذه ليست منشآت منفصلة، بل شبكة مترابطة لتأمين المصالح الأمريكية-الصهيونية في الممرات البحرية، خصوصًا مع الضربات اليمنية التي استهدفت السفن المرتبطة بالعدو الصهيوني خلال معركة إسناد غزة.
كيف يخدم الاحتلال الجديد مصالح واشنطن وتل أبيب ولندن؟
- السيطرة على عنق زجاجة الملاحة العالمية في باب المندب وخليج عدن.
- مراقبة عمليات القوات المسلحة اليمنية ومنع تأثيرها على الكيان الصهيوني.
- بناء قواعد ضغط في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
- استغلال القوى المحلية لتثبيت واقع انفصالي أو تفتيتي يخدم الهيمنة الأجنبية.
مقارنة بين الاحتلال القديم والجديد: قناع مختلف لجوهر واحد
الاحتلال البريطاني كان مباشرًا وواضحًا.. فيما الاحتلال الجديد أكثر دهاءً وتعقيدًا، ويعتمد على:
- أدوات محلية
- شرعية مصطنعة
- قواعد مشتركة
- دعم استخباراتي
- تحالفات اقتصادية وعسكرية
ومع ذلك، فالجوهر واحد:
نزع القرار اليمني والسيطرة على الموانئ والثروات والمساحات الاستراتيجية.
لقد تطورت أدوات السيطرة من إدارة استعمارية إلى شبكة نفوذ شاملة تدمج العسكري بالاستخباراتي بالاقتصادي. والنتيجة واحدة: الجنوب بلا سيادة.
21 سبتمبر: المشروع الوحيد القادر على تحرير الجنوب واستعادة السيادة
وإزاء هذا الاحتلال الجديد متعدد الوجوه، تؤكد ثورة 21 سبتمبر أنها القوة الوطنية الوحيدة القادرة على إعادة الاستقلال الحقيقي للبلاد، بما تمتلكه من رؤية سيادية واضحة ومشروع تحرري متماسك.
فكما حررت صنعاء قرارها من الوصاية الدولية والخليجية، وأسست لمرحلة جديدة قائمة على الاستقلال السياسي والعسكري، فإنها في موقع الصدارة اليوم لاستكمال معركة التحرر، وصولًا إلى كنس كل أشكال الهيمنة الأجنبية من المحافظات المحتلة في الجنوب، واستعادة وحدة الأرض والسيادة والقرار.
مشروع 21 سبتمبر ليس رد فعل، بل مشروع دولة:
دولة حرة، مستقلة، سيادية، لا تقبل قواعد أجنبية ولا شراكة احتلال تحت أي مسمى.
21 سبتمبر في سياق المقارنة التاريخية: إعلان سقوط التبعية
وعلى خلاف المرحلة التي سبقت ثورة 21 سبتمبر، حين كانت اليمن خاضعة لنفوذ خارجي يتقاسم السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي والأمني، جاءت الثورة لتعيد تعريف السيادة بوصفها حقًا مطلقًا غير قابل للتجزئة.
فبدل الدولة التابعة التي تتلقى التعليمات من واشنطن والرياض، ظهرت دولة وطنية مستقلة ترسم سياساتها من صنعاء.
ومن هذا المنطلق، فإن أي احتلال أو نفوذ أجنبي في الجنوب لن يستقر أمام مشروع بحجم ثورة 21 سبتمبر المباركة، الذي فتح الباب أمام مرحلة التحرير الشامل من الهيمنة القديمة والحديثة معًا.
خلاصة نهائية: الجنوب بين طريقين
ما يجري اليوم في المحافظات الجنوبية ليس مجرد فراغ سياسي أو فوضى أمنية، بل مشروع احتلال كامل بنسخة حديثة..
لهذا فالجنوب أمام خيارين لا ثالث لهما:
- البقاء تحت الهيمنة الأجنبية عبر قواعد ومليشيات ومرتزقة.
- استعادة الاستقلال الحقيقي ضمن مشروع وطني جامع تقوده ثورة 21 سبتمبر، وتدعمه معادلات الردع اليمنية التي وصلت إلى باب المندب والبحر الأحمر والعمق الصهيوني.
والمعادلة اليوم باتت واضحة:
كما طُردت بريطانيا بالأمس، سيطرد اليمنيون الاحتلال الجديد بكل وجوهه وأدواته، وسيكتبون استقلالًا ثانيًا يستكمل استقلال نوفمبر 1967، لكن هذه المرة بسيادة كاملة غير قابلة للمصادرة.