كيف صُنعت الفتنة ودُفعت الأمة إلى الانقسام المفتوح؟

البيضاء نت | تقرير طارق الحمامي 

 

في العالم الإسلامي اليوم، تتكشف أزمة عميقة ،  القرآن الكريم، الذي يُفترض أن يكون البوصلة التي تجمع الأمة على عنوان واحد، صار حاضرًا لفظيًا وغائبًا منهجيًا، يتم استدعاؤه أحيانًا لتبرير الصراعات أو لإضفاء شرعية على مواقف مسبقة، بدلاً من أن يكون المعيار الأعلى لكل السلوك السياسي والاجتماعي، في هذا الواقع المعقد، تأتي رؤية الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي لتؤكد أن الأولوية للقرآن، والتحرك على أساس هديه، بعيدًا عن الانتماءات المذهبية الضيقة والعناوين الفرعية، وبين التمزق العربي والإسلامي، يقدم الواقع اليمني نموذجًا عمليًا لتجربة تعيد القرآن إلى موقعه القيادي، كإطار يجمع الأمة بدل أن يفرقها.

 العدو الصهيوأمريكي والخلاف المذهبي كأداة للإضعاف
لا يمكن قراءة الانقسامات المذهبية في العالم العربي والإسلامي بمعزل عن دور القوى الخارجية، وفي مقدمتها المشروع الصهيوأمريكي، حيث حول الخلاف المذهبي إلى أداة لإضعاف الأمة وتمزيقها داخليًا،  عبر دعم أنظمة وأحزاب وميليشيات، تم استثمار الانقسام بين الطوائف والمذاهب، وتحويله إلى صراع مفتوح يضعف الداخل ويشوّه القدرة على مواجهة المشاريع الاستعمارية والهيمنة الخارجية، تظهر التجربة في العراق وسوريا ولبنان بوضوح، فالصراع المذهبي لم يكن عفويًا فقط، بل مُدار واستُثمر في إبقاء الأمة منشغلة بصراعاتها الداخلية،  وهنا تتضح أهمية القرآن كمرجعية عليا، لأنه وحده قادر على تحديد العدو الحقيقي وإعادة توجيه الطاقة الوطنية نحو المشروع الجامع، بعيدًا عن الفوضى المستوردة، في اليمن، كان اعتماد القرآن الكريم كمرجعية عليا بمثابة رفض ضمني لهذا المخطط، إذ أعاد توجيه بوصلة الصراع نحو ما يهدد الأمة فعليًا، بدلاً من تحويل المذهب إلى أداة صراع داخلي.

 الانقسامات المذهبية .. صراع مدمر
شكلت الانقسامات المذهبية اليوم إحدى أدوات التمزيق في الوطن العربي، حتى أصبح كل خلاف داخلي فرصة للاستقطاب السياسي والاجتماعي، حيث تتحول الاختلافات المذهبية إلى صراعات اجتماعية دائمة، تؤثر على الاستقرار المجتمعي والسياسي، هنا تأتي أهمية رؤية الشهيد القائد، الذي يطالب بالعودة إلى العنوان الجامع، إن الدين عند الله الإسلام ، فالخروج عن هذا العنوان أدى إلى تصاعد الريبة والعداء بين المسلمين أنفسهم، وهو ما تحاول اليمن معالجته بمنهجية قرآنية تقلّل من النزاعات الطائفية وتحوّل التركيز إلى العمل المشترك وفق معيار القرآن الكريم ،  يشدد شهيد القرآن في الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس رمضان على أهمية هذه المسألة بقوله : {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: الآية 67) إذاًَ هذه تعتبر مثلاً بالنسبة للناس أعني بالنسبة للمسلمين أنفسهم المسلمون أنفسهم عندما أصبحوا طوائف لديها عناوين داخلية؟  السني يريد يحول الشيعي سني والشيعي حريص أن يحول السني إلى شيعي، وداخل السنية الشافعي يريد يحول الحنفي شافعي والحنفي يريد يحول الشافعي حنفي، وأشياء من هذه، الإثناعشري يعمل يريد يحول الزيدي إثناعشري أليست هذه تحصل؟ هذه أساليب ليست صحيحة، الصحيح أنه كيف نعود إلى العنوان الرئيسي العنوان الأصلي: الإسلام لله {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ} (آل عمران: من الآية 19) هذا العنوان الذي يجب أن نحمله جميعاً وهذا العنوان الذي مقوماته يلتقي عليها المسلمون فعلاً هذا العنوان، فنرجع إلى كتاب الله لنكون مسلمين نبعد عناوين من هذه العناوين الخاصة التي كل واحد قد ثقف ثقافة تجعله أنه ينظر نظرة مشمئزة إلى الآخر أليست هذه قد حصلت؟ بغض النظر عن محق أو مبطل داخلها) .

 

 غياب القرآن .. والانفلات المرجعي
القرآن حاضر لفظيًا في الشعائر والاحتفالات، لكنه غالبًا غائب منهجيًا عن مراكز القرار والممارسة اليومية،  في معظم الدول العربية ، تُستدعى النصوص لتأكيد موقف مسبق، بينما تُقدس المرجعيات البشرية أكثر من النص، هذا يؤدي إلى فجوة بين النص والتطبيق، وتصبح أي محاولة إصلاح أو توحيد هشّة، لأن المرجعية العليا غائبة، في اليمن، العكس تمامًا، القرآن الكريم  يُنظر إليه كمرجعية عليا، ويُقيّم كل الفقه والاجتهادات وفقه القرآن، لا العكس، هذا يسمح بمراجعة الأخطاء الذاتية قبل محاسبة الآخرين، ويحول الحوار بين الأطراف المختلفة إلى عملية بناء مشتركة.

 النتائج المترتبة على تغييب القرآن 
غياب المرجعية القرآنية يؤدي إلى تمزيق المجتمع، استقطاب سياسي وديني دائم، وضعف القدرة على مواجهة التحديات العالمية،  والشواهد كثيرة في الواقع ، منها على سبيل المثال الأزمة السورية، بينما كل طرف مشغولًا بخلافاته الداخلية، يتم استثمار هذه الفوضى من العدو الصهيوأمريكي، وتتأكل معها الأرض السورية ، السعودية والإمارات التي علقت القرآن على جدار الكعبة وسلمت مصيرها لأمريكا وإسرائيل تحولت إلى أدوات قمع لتنفيذ مشروع الاستباحة الصهيوأمريكي على كامل المنطقة ، في المقابل، المنهج القرآني في اليمن يُعيد توجيه الجهود إلى الأولويات الكبرى، ويُعيد الدين كإطار جامع، بدل أن يتحول إلى أداة لتبرير النزاع الداخلي، كما تفعل هذه الدول.

 

 اليمن ..  القرآن هو المنهج الجامع
اليمن تمثل نموذجًا عمليًا لإعادة القرآن إلى موقع القيادة،  هنا، القرآن ليس شعارًا، بل معيار لكل فعل وقرار، بعيدًا عن الانتماءات ، هذا ما جعل الواقع اليمني أكثر بعداً عن خطر الفرقة خصوصاً في المحافظة الحرة التي تنعم بعدالة المنهج القرآني ، بينما لا تزال المحافظات المحتلة في حظيرة الانقسام والصراع الذي تديره السعودية بتحريك أدواتها بما يحقق أطماعها في الجغرافيا الاستراتيجية لليمن والثروات ، وتهيئ المنطقة المنطقة بأكملها للخضوع الكامل للمشروع الصهيوأمريكي .

 بين الواقع العربي واليمني
حين نقارن بين الواقع العربي واليمني، يظهر الفرق الجوهري في مكانة القرآن الكريم،  في معظم الدول العربية، يأتي الانتماء بالمسميات التي تكرس الاختلاف قبل القرآن، ما يفتح الباب للفوضى والصراع الداخلي، ويضعف القدرة على مواجهة التحديات، أما في اليمن، فالقرآن الكريم هو المركز الذي يُقاس عليه كل شيء، ما يمنح المجتمع وحدة إيمانية ، وقدرة على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، اليمن بمسيرتها القرآنية تُثبت أن المرجعية العليا هي العامل الحاسم،  كلما صعد القرآن الكريم إلى موقع القيادة، توحدت الأمة حول قضاياها الإيمانية الجامعة وتكون أقوى في مواجهة العدو مهما كانت إمكانياته .

 القرآن .. خيار البقاء أو عنوان الغياب
القرآن الكريم هو منهج لقيادة الأمة، وإطار للفكر، ومقياس للوعي، إذا أعطي موقعه الطبيعي، يصبح قوله تعالى : ( إن الدين عند الله الإسلام)، عنوانًا جامعًا يوحد الصفوف، ويعيد للأمة قدرتها على مواجهة التحديات، وإذا غاب، تظل الأمة ضائعة في صراعاتها ، عاجزة عن توحيد صفوفها، ومفتوحة للاستباحة الخارجية، اليمن، في هذا الإطار، تقدم نموذجًا عمليًا لاعتماد القرآن كمرجعية عليا، ما يوفر سبيلًا لتجاوز الانقسامات التي ابتليت بها الأمة، والمرحلة الراهنة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة البوصلة القرآنية، وتحويل القرآن الكريم إلى منهج تهتدي به الأمة ويقودها نحو النصر.